غياب المبدئية ولغة الأفكار عن الساحة الدولية وخطاب الزعماء يمهد لما بعد
يومين مضت
كلمات الأعداد
123 زيارة
لم تكن المبادئ والقيم والخطاب الأيديولوجي مجرد شعارات جميلة تطلقها الدول والزعماء عبر التاريخ لمجرد الظهور بالمظهر اللائق أمام الآخرين، بل هي قبل ذلك تشكل مادة للدول والقادة لدعوة البشرية لاعتناقها والالتفاف حولها، فتخولهم تلك المادة بعد أن تتحول إلى قناعات ورأي عام إلى استعمال القوة إن لزمت لفرضها على القلة الذين يبقون في وجهها ويمانعون الخضوع أو القبول بها.
فالرأسمالية مثلا جاءت بعد عصر الإقطاعية والثيوقراطية بأفكار من مثل حرية الأفراد في تحقيق مصالحهم الشخصية دون تدخل من قبل الدولة، والمنافسة الحرة بين المؤسسات والأفراد، ومبدأ المنفعة الشخصية، والتوازن والتناغم ما بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، وحياد الدولة في النشاط الاقتصادي وغيرها، وصنعت لنفسها رأيا عاما عالميا بأنها مع الحريات وضد الاستبداد والطبقية والإقطاعية التي كانت شعوب أوروبا وأمريكا تكتوي بها، فأقبلت عليها الشعوب وبدأت تطيح بالأنظمة القديمة والدكتاتورية لتحل محلها حكومات منتخبة بهامش حرية ونظام ملكية أحس الكثيرون بأنه قد ينصفهم، ثم بعد ذلك تشكلت قناعات بها عابرة للحدود وبات حملة الفكر الرأسمالي يجدون لأنفسهم مدخلا ومبررا لاستعمال القوة لفرض فكرتهم وسوق الشعوب إليها.
ثم نشأت الاشتراكية ومنها الشيوعية التي جاءت بأفكار استهوت الشعوب الفقيرة والمضطهدين والضعفاء الذين صنعتهم الرأسمالية وخلفتهم ناقمين على ما آلوا إليه من جراء تطبيقها عليهم، وبدأت الشعوب والتيارات تتقبل فكرة الشيوعية لظنها أنها قد تجد فيها ما ينصفها من أولئك الرأسمالين والنخب الحاكمة الذين أهلكوهم وامتصوا دماءهم، وفعلا تشكل رأي عام في دول أوروبا الشرقية وروسيا والشرق الأوسط، وبدأ حكام الشيوعية يجدون قبولا لدى الشعوب لاستعمال القوة من أجل نشر أفكارهم التي روجوا لها على أنها لإنقاذ الشعوب.
ثم سرعان ما تبدد الوهم وبان عوار الاشتراكية والشيوعية وفسادها، فعاد الغرب بالرأسمالية بحلته الجديدة، الديمقراطية والحريات العامة، ليعيد تأطير العالم بفكرته وتشكيل هيئات ومؤسسات دولية حافظة لتلك المفاهيم وناشرة لها، وتزعمت أمريكا المعسكر الغربي في صراعه مع المعسكر الشرقي الذي كانت تتزعمه روسيا، فكانت الغلبة لأمريكا والغرب، وصنعوا لأنفسهم المبرر والرأي العام العالمي الذي يبرر لهم التدخل في شؤون الدول والشعوب واستعمال القوة والعقوبات من أجل نشر الديمقراطية والحريات المزعومة. وهكذا وصولا إلى ما نحن عليه هذه في السنوات والتي نحن بصدد تسليط الضوء على ما أصابها من تغيرات.
فالقصد أن روسيا تزعمت المعسكر الشرقي الشيوعي الذي نافس المعسكر الغربي وكاد يهزمه في لحظة ما أو تساوى معه، وكانت قد وصلت إلى تلك المكانة من خلال الخطاب الأيديولوجي والقيم والأفكار التي روجت لها على أنها منقذة للبشرية والشعوب، ولم تكن لتستطيع جمع الدول والشعوب حولها لولا تلك الأفكار والمفاهيم. ثم بعد ذلك لما تزعمت أمريكا الغرب تزعمته بكونها حاملة راية الديمقراطية وحقوق الإنسان وسياسات السوق الحر والحريات، فجمعت حولها الشعوب الغربية والدول لتواجه المد الشيوعي وتهزمه في النهاية، فهي لم تجمعهم بالقوة أو الوجاهة بل بالخطاب الأيديولوجي والقيم والأفكار.
وفي المقابل لم تستطع الصين مثلا أن تتزعم العالم أو جزءا منه أو حتى منطقة إقليمية وتقودها نحو أهدافها وطموحاتها، لأنها لم تتبنّ فكرا أيديولوجيًا وتروج له، بل كانت تدور حول روسيا ومعها إبان الشيوعية، ثم لحقت بالغرب وشكلت مزيجا فاشلا من الرأسمالية والشيوعية بعد هزيمة الاتحاد السوفيتي، ولذلك لم تستطع الصين تزعّم العالم أو دول ذات وزن وشأن رغم كبر مساحتها وعدد سكانها الضخم وثرواتها وحديثا تطورها واقتصادها.
فمسألة قيادة العالم والشعوب أو جزء منها مسألة تتعلق بمدى قدرة القائد والدولة على حشد الآخرين حولهم بما لديهم من أفكار وحضارة يتقبلها الآخرون أو يعتنقونها. فالمسلمون قادوا العالم من قبل وبقيت دولة الإسلام الدولة الأولى في العالم لأكثر من عشرة قرون، بفكرهم وحضارتهم وقيمهم التي كانت تسبق سيفهم واقتصادهم وقوتهم.
فالأمم والشعوب ليست قطيع أغنام يساق بالعصا، فقد تتمكن من إخضاع بعض الشعوب أو الدول لمدة ما أو في مرحلة ما ولكنك لن تستطيع قيادتهم أو حملهم على الالتفاف حولك طويلا، إذ سرعان ما تخرج الأمور عن السيطرة ويجد الآخرون فرصة للانعتاق والخلاص من الطوق والعصا.
والناظر هذه الأيام في خطاب قادة أمريكا والغرب، لا سيما الرئيس الأمريكي دونالد وترامب وطاقمه في البيت الأبيض يلمس غياب الخطاب الأيديولوجي والفكري مع العالم وشعوبه، فلم تعد أمريكا تروج لنفسها على أنها حاملة الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان وحاميتها في العالم كما كانت تزعم منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، بل الخطاب هذه الأيام خطاب منطق القوة والغطرسة والمصالح الذاتية، فهو يسوّق لما يتخذه من قرارات وما يطرحه من مشاريع بمنطق أنه الأقوى والقادر على فرض ما يريد على البقية. وحتى حلفاء أمريكا التاريخيون، دول أوروبا، هاجمهم ترامب ووصفهم بالضعفاء والذين لا يستطيعون فعل شيء سوى الكلام. إذ وصف ترامب القادة الأوروبيين في مقابلة مع مجلة بوليتكو بأنهم ضعفاء ويفتقرون للحسم، مشيرًا إلى أن سياساتهم تتسم بالتصحيح السياسي الزائد، ما يجعل القارة عاجزة عن إدارة ملفات حيوية مثل الهجرة والنزاعات الإقليمية. وقال: «أعتقد أنهم يريدون أن يكونوا على قدر كبير من الصوابية السياسية، لكنهم لا يعرفون ماذا يفعلون. أوروبا لا تعرف ماذا تفعل.»
بينما أبدى إعجابه بالرئيس التركي أردوغان والرئيس السوري أحمد الشرع وولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من منطلق أنهم أقوياء!.
فقد أكد استمرار ثقته بالرئيس السوري أحمد الشرع بعد الهجوم الذي وقع في سوريا وأدى إلى مقتل جنود أمريكيين، واصفاً إياه بالرجل القوي. وكذلك قال ترامب في محادثة له مع أردوغان، قبل قمة غزة في مصر، مخاطبا مترجم أردوغان: «يا صديقي، هل تعلم مدى قوة هذا الرجل؟ أنا أحبه. أنا أحبه حقا»، واصفا إياه بأنه «رجل قوي جدًا».
وحتى الرئيس الروسي بوتين الذي يفترض أن يكون محل انتقاد وهجوم من ترامب وإدارته، فقد أظهر ترامب إعجابه به لأنه قوي، إذ رأى مسؤول كبير سابق في الإدارة الأميركية أن ترامب معجب ببوتين لأنه قوي، ويتمتع بسيطرة كاملة على بلاده، وأضاف أن الرئيس الأميركي يميل إلى حب القادة الأقوياء أكثر من غيرهم.
وكذلك ابن سلمان وأمير قطر فقد أبدى ترامب إعجابه بهما لقوتهما الاقتصادية وقدراتهما المالية.
فمركز تنبه الإدارة الأمريكية وتركيزها هو على القوة والمال والاقتصاد، وهو ما لا يخفيه ترامب وطاقمه الإداري، وهو ما يطغى على خطاباتهم وتحركاتهم، وحتى الرحم الذي خرج منه ترامب وطاقمه الجديد فهو رحم الماغا MAGA وشعارها «لنجعل أمريكا عظيمة مجددا»، الذي يحمل في طياته الانغلاق على الذات، مما يجعله شعارا فئويا أول ما يؤدي إليه هو نبذ كل من ليس أمريكيا، حسب معايير ترامب ومناصريه. وهو ما تترجمه الأحداث وأبرزها حملات دائرة الهجرة والجمارك ICE التابعة لوزارة الداخلية التي باتت سيئة السمعة عالميا، رغم أنها مؤسسة حكومية محلية. فالعالم كله لا بد أن يتابع ويقيس مكانة الدولة الأولى وزعامتها باستمرار.
واليوم أمريكا وما تقوم به بات لا يمتّ بصلة إلى القيم والمبادئ والخطاب الأيديولوجي الذي أوصل أمريكا الى عرش الدولة في العالم. وهذا يعني حتما انفضاض الدول والشعوب من حول أمريكا وزعامتها، والبدء باتخاذ مسارات وتوجهات بديلة من الالتفاف حول أمريكا. وهذا الأمر كما يصح على أمريكا فهو من باب أولى يصح على دول أوروبا وباقي الدول الكبرى التي لم تكن أصلا قد وصلت إلى مستوى أمريكا في تزعمها للعالم والشعوب، وهي أضعف وأسوأ حالا من أمريكا وقادتها.
فدول أوروبا وهي الأقرب إلى الفكر الغربي الذي تزعمته أمريكا، بدأت تتخذ مسارات ومخططات بعيدا من أمريكا شيئا فشيئا، في سياسة الدفاع والاقتصاد والمواقف السياسية من القضايا العالمية، ولكن لضعفها لم تستطع أن تبتعد كثيرا لغاية الآن، ولكنها مسألة وقت لا أكثر. وكذلك دول أمريكا اللاتينية والصين والهند وباقي دول العالم، كُلا بمقدار قدرته على التفلت وتوفر البدائل المؤقتة، إلى حين بروز قيادة جديدة للعالم تعيد قيادته بما تحمله من قيم وأفكار تجمع الشعوب وتستقطب الدول.
ولا شك أن المرشح الوحيد ضمن الواقع المنظور والمتوقع هو دولة الإسلام القادمة، فهي المؤهلة حقيقة لتستعيد قيادة العالم واستقطاب الشعوب بما تحمله من مبدأ وقيم بات العالم في أمسّ الحاجة إليها بعد أن عاشت أجيالٌ وأجيال ضنك العيش وقهر الرأسمالية والاشتراكية. وإذ ما استمر الغرب وعلى رأسه أمريكا في تخليه عن الخطاب الأيدولوجي ولغة المبدأ والقيم وهذا أمر مرجح، فإنه بذلك يعجل من سقوطه وتقهقره أمام صعود الإسلام وتنامي الرغبة والإرادة لإعادته إلى سدة الحكم والقيادة.
فما يحصل في العالم هذه الأيام يؤسس لما بعد، اندثار القيادات الحالية التي أفلست ولم يبق لديها ما تقدمه لشعوبها وشعوب العالم، وبروز قيادة جديدة للعالم لتتزعمه ولتلتف الشعوب حولها، ونحن عندما نتحدث عن الإسلام بديلا حضاريا وقياديا للعالم نتحدث عن حضارة وقيادة لها تاريخ وعراقة وتجربة شهدت لها البشرية من قبل. فالمسألة باتت مسألة وقت لا غير. قال تعالى: (وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ)، وقال: (إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ).
1447-07-16