نهاية الهيمنة الأميركية وصعود الفراغ الجيوسياسي في الشرق الأوسط، قراءة في التحوّل العالمي من «نموذج الشرق الأوسط الأميركي» إلى عالم ما بعد القطبية
يومين مضت
المقالات
129 زيارة
البروفيسور محمد ملكاوي
مقدمة: زمن الأفول
منذ نهاية الحرب الباردة، بدا أنّ الولايات المتحدة قد بلغت ذروة سيطرتها على العالم.
فقد تفكّك الاتحاد السوفييتي، وانهارت المنظومات الاشتراكية، وأُعلنت «نهاية التاريخ» كما بشّر فوكوياما، ليصبح النظام الليبرالي الأميركي هو القالب الوحيد الممكن لتنظيم العالم. لكن الشرق الأوسط – المنطقة التي بُنيت عليها أعمدة تلك الهيمنة – هو نفسه الذي يكشف اليوم تصدّع هذا البناء.
إنّ العقدين الأخيرين من القرن الحادي والعشرين يكشفان تحوّلًا جذريًا: انكفاء أميركي متسارع، وتفكك للنظام الإقليمي الذي قامت عليه السيطرة الغربية منذ سبعين عامًا. وهو ما يصفه هذا الكتاب بأنه “صعود الفراغ الجيوسياسي في الشرق الأوسط”، فراغٌ لا يعني غياب القوى، بل غياب القدرة على الضبط، واهتزاز منظومة النفوذ التي كانت تبدو راسخة.
من القمة إلى الانكفاء
في تسعينيات القرن الماضي، كانت واشنطن تتصرف كحاكم منفرد للنظام الدولي. فهي التي تقرّر الحرب والسلام، وتفرض العقوبات، وتُسقط الأنظمة، وتعيد بناء الدول. لكن الحروب التي خاضتها لاحقًا، من أفغانستان إلى العراق إلى «الحرب على الإرهاب»، تحوّلت من أدوات للهيمنة إلى مصانع للأزمة. خرجت منها منهكة، عاجزة عن فرض النظام، فاقدة للثقة، ومثقلة بالكلفة الاقتصادية والأخلاقية.
يقول المؤلف في تحليله إنّ “نهاية الإمبراطوريات لا تبدأ من الخارج، بل من لحظة الإدمان على القوة.” وقد أصيبت واشنطن بهذا الداء حين ظنّت أن السيطرة يمكن أن تكون أبدية، وأنّ المال والإعلام والسلاح كفيلة بتجميد التاريخ.
لكنّ الأحداث، من انهيار كابول إلى انكسار النفوذ الأميركي في العراق وسوريا واليمن، أظهرت أن القوة، حين تُستعمل بلا مشروع أخلاقي، تتحوّل إلى عبء على صاحبها.
سقوط «نموذج الشرق الأوسط الأميركي»
يبين الكتاب أنّ الركيزة المركزية للهيمنة الأميركية كانت ما يُعرف بـ»نموذج الشرق الأوسط (4+2)» أي إدارة المنطقة عبر أربع قوى إقليمية (إيران، وتركيا، والسعودية، وإسرائيل) تحت إشراف قوتين دوليتين (الولايات المتحدة وروسيا). كانت هذه المعادلة تضمن لواشنطن السيطرة على خطوط الطاقة، ومنع أي تحالفات عابرة، وإبقاء الصراع ضمن “سقفٍ يمكن التحكّم به”.
لكنّ هذه المعادلة بدأت بالانهيار من داخلها:
تركيا انزلقت تدريجيًا من محور الأطلسي إلى محورٍ مستقل متذبذب بين موسكو وبكين.
إيران صمدت أمام الحصار ووسّعت نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن.
السعودية بدأت تنوّع تحالفاتها بعد أن فقدت الثقة بالضمانة الأمنية الأميركية.
إسرائيل غرقت في تناقضاتها الداخلية، وفي مواجهة مفتوحة في غزة ولبنان والضفة، ما كشف حدود تفوقها العسكري.
أما روسيا، فبعد تدخلها العسكري في سوريا عام 2015، لم تبق «الضامن الثانوي»، بل أصبحت الندّ السياسي والعسكري لواشنطن في قلب المنطقة. وبذلك، تآكلت أركان النظام الأميركي من داخله، حتى باتت واشنطن عاجزة عن فرض إرادتها على حلفائها قبل خصومها.
الفراغ الجيوسياسي: عندما تغيب اليد التي تضبط
ما يسميه المؤلف “الفراغ الجيوسياسي” ليس فراغًا في الوجود المادي للقوى، بل في القدرة على التحكم في توازناتها. فالقوة الأميركية ما تزال هائلة، لكنها باتت غير قادرة على تحديد اتجاه الأحداث. لقد فقدت واشنطن عنصرها الأهم: الهيمنة السردية.
في السابق، كانت كلّ أزمة تُقرأ من خلال الرواية الأميركية، من حروب الخليج إلى ما سُمّي بالربيع العربي. أما اليوم، فقد تَفكّك هذا الاحتكار الإعلامي والسردي؛ إذ باتت الشعوب تملك منصاتها، والعالم يشاهد صور الحرب على غزة أو أوكرانيا أو السودان من زوايا متعددة، لا من عدسة البيت الأبيض وحده.
هذا الفراغ لا يُملأ بالضرورة بقوةٍ جديدة، بل قد يُحوّل المنطقة إلى مسرح تنافسٍ مفتوح بين قوى متعدّدة: روسيا والصين من جهة، وإيران وتركيا من جهة، والفاعلين غير الدوليين من جهة أخرى.
لكنّ المؤلف يرى في ذلك فرصة تاريخية نادرة، لأن انكفاء الهيمنة الأميركية يفتح الباب لإعادة تعريف النظام الإقليمي على أسسٍ جديدة.
الشرق الأوسط في عالمٍ متحوّل
في عالم ما بعد القطبية، تحول الشرق الأوسط عن كونه مجرّد ساحةٍ جانبية، بل بات ميدانًا محوريًا لإعادة تشكيل النظام الدولي. فحروب الطاقة والممرات البحرية والتكنولوجيا والبنية التحتية تمرّ جميعها من هنا.
لكن الفارق أن الدول الإقليمية – بعد عقود من التبعية – بدأت تكتسب الوعي الجيوسياسي وتبحث عن استقلال القرار.
يحلّل المؤلف أن “الجيل الجديد من القادة في المنطقة بات لا يرى في واشنطن المرجع الوحيد للأمن، بل مصدرًا من مصادر الخطر.” ومن هنا تنشأ ظاهرة التحالفات المرنة:
تقارب سعودي- إيراني برعاية صينية.
انفتاح تركي–مصري تدريجي.
دخول الهند والصين والإمارات وروسيا في تكتلات اقتصادية جديدة (مثل البريكس).
كلّ ذلك يعيد رسم الخريطة الذهنية للمنطقة؛ إذ لم تستمر “الولاءات” ثابتة، ولا “المحاور” مغلقة. لقد بدأ الشرق الأوسط – ولأول مرة منذ قرن – يفكّر خارج خريطة سايكس–بيكو، ويبحث عن توازناتٍ يصنعها بنفسه.
أوهام القوة: حين تعجز الإمبراطورية عن التراجع
المفارقة التي يلتقطها الكاتب بذكاء هي أن الولايات المتحدة تدرك أفولها، لكنها لا تعرف كيف تتراجع. فالإمبراطوريات الكبرى لا تموت حين تُهزم، بل حين تُصرّ على أن تبقى كما كانت.
ومن هنا تأتي سياسات واشنطن المتخبطة:
انسحاب من أفغانستان بلا إستراتيجية.
عقوبات متكررة تفقد فاعليتها.
دعم مطلق لإسرائيل رغم كلفته الأخلاقية والسياسية.
محاولات استعادة النفوذ عبر تحالفات مصلحية قصيرة الأجل.
لكنّ هذه السياسات لم تعد تُنتج الهيمنة، بل تُعمّق الشعور العالمي بالحاجة إلى بديل. وهكذا، تصبح كلّ خطوة دفاعية لأميركا خطوةً إضافية نحو تقويض نفوذها.
صعود الفراغ أم بدايات نظام جديد؟
يطرح المؤلف سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام فراغٍ جيوسياسي فعلاً، أم أمام مخاض ولادة نظام جديد متعدد المراكز؟
في نظره، الفراغ ليس دائمًا خطرًا؛ فقد يكون لحظة تأسيسٍ جديدة. فالهيمنة الأميركية كانت قد جمدت التاريخ في المنطقة، وأبقت التوازنات مصطنعة. أما اليوم، فإنّ اهتزازها يتيح عودة الفعل الذاتي للأمم، ويفتح الباب أمام نظامٍ إقليميّ أكثر طبيعية، يقوم على تعدد القوى لا تبعيتها.
لكن هذا الاحتمال – كما يوضح الكاتب – يظلّ مشروطًا بقدرة الشعوب على إنتاج مشروعها الحضاري المستقل، لا مجرّد التماهي مع أقطابٍ جديدة. فإذا انتقل الشرق الأوسط من التبعية لواشنطن إلى التبعية لبكين أو موسكو، فإن الفراغ لن يُملأ، بل سيتبدّل شكله فقط.
الإسلام السياسي والعودة إلى الذات
في خضم هذا التحوّل، يرى المؤلف أن الفراغ الأكبر ليس في السياسة، بل في الفكرة. فغياب الهيمنة الأميركية أفسح المجال أمام قوى إقليمية، لكنه لم يُنتج بعد مشروعًا حضاريًا متماسكًا.
ومن هنا يعود السؤال القديم بصيغة جديدة: هل تستطيع الأمة الإسلامية أن تقدّم رؤيتها الذاتية للعالم؟
إنّ الحركات الإسلامية، رغم ما واجهته من تهميش وقمع وتشويه، ما تزال تمثّل الخزان الأخلاقي والروحي الذي يمكن أن يملأ هذا الفراغ. لكن المؤلف يحذّر من أن العودة إلى الذات لا تعني الانغلاق أو الرومانسية التاريخية، بل تعني تحويل الفكرة الإسلامية إلى مشروعٍ سياسيّ معاصر قادر على المنافسة الدولية، أي ما يسميه النموذج 1+0: نظام وحدةٍ ذاتية لا يحتاج إلى ضامن خارجي.
نهاية الهيمنة وبداية التاريخ الجديد
في خاتمة الكتاب، يقدّم المؤلف خلاصة فكرية تتجاوز الشرق الأوسط إلى النظام العالمي كله:
“لقد انتهى زمن الإمبراطوريات التي تدير العالم من مركزٍ واحد. العالم يدخل الآن مرحلة اللاقطبية، حيث تُصنع الموازين بالتفاعل لا بالفرض.”
هذه اللحظة – لحظة سقوط الهيمنة الأميركية – ليست مجرّد حدثٍ سياسي، بل منعطف حضاري يعيد تعريف القوة والمعنى. فحين تنكفئ واشنطن، لا يبقى السؤال: من سيملأ الفراغ؟ بل: أيّ فكرةٍ ستقود العالم بعد أفول الفكرة الليبرالية الغربية؟
وفي هذا السؤال، كما يرى المؤلف، تكمن فرصة الأمة الإسلامية التاريخية لتقدّم للعالم نموذجًا بديلًا يُوازن بين الروح والعدالة والعقل، وينقذ البشرية من دوامة الاستهلاك والتفكك التي أنتجتها حضارة المنفعة.
خاتمة: الفراغ ليس نهاية
الهيمنة الأميركية كانت تشبه سقفًا منخفضًا فوق شعوب المنطقة: يحميها من العاصفة، لكنه يمنعها من النهوض. أما اليوم، فرغم الفوضى والدماء، بدأ هذا السقف يتصدّع.
وقد يكون سقوطه – رغم الخطر – بداية التاريخ الحقيقي للمنطقة.
فالفراغ، كما يكتب المؤلف، “ليس نهايةً للزمن، بل نهايةً للجمود.” وما لم تُملأ هذه المساحة بمشروعٍ ذاتيّ عادل، فسيملؤها آخرون بمشاريعهم. لكنّ اللحظة الحالية تمنح الشرق الأوسط – لأول مرة منذ قرن – فرصة أن يصوغ توازنه بنفسه، لا أن يُعاد تشكيله من الخارج.
وهكذا، فإنّ نهاية الهيمنة الأميركية ليست مأساة للعالم، بل بداية لتاريخٍ جديد…
تاريخٍ قد يكتبه الشرق هذه المرة، لا أن يُكتب فيه فقط.
1447-07-16