عملية طوفان الأقصى تدفع الأمة الإسلامية خطوات حاسمة نحو بناء دولة الإسلام
يوم واحد مضت
المقالات
85 زيارة
عصام الشيخ غانم – فلسطين
عملت الأحداث المفصلية عبر التاريخ بشكل فاعل ودائم على تشكيل العقلية السياسية للأمم، ولا توجد أمة عبر التاريخ مرت عليها الأحداث الكبرى مرور الكرام دون أن تؤصل فيها مفاهيم سياسية جديدة. وإذا كانت الأفكار والمبادئ تشكل العقلية السياسية كذلك، إلا أنها خاصة بالنخب الفكرية التي تبذل جهداً كبيراً لبلورة أفكارها ومبادئها، ولكن الأحداث المفصلية وما تبرزه من صورة العدو والصديق تعمل على تشكيل العقل الجماعي للأمة بشكل عملي، فالمفاهيم العملية التي تنطق بها الوقائع أقوى وأعمق تأثيراً في عموم الأمة ولا يمكن للأمة ونخبها تجاوز معانيها وآثارها، ومن هذا الباب لا نبالغ إن قلنا إن حرب طوفان الأقصى قد أحدثت من التغييرات في الأمة الإسلامية ما أحدثته الحربان العالميتان من تغييرات في عقلية الأوروبيين والأمريكان، تلك التغييرات التي بنيت عليها سياسات الدول لقرنٍ من الزمان، ولا تزال.
مقدمة
إن من سنن الله تعالى أن الأمم الضعيفة لا يمكنها القيام بأعمال قوية إلا إذا تغير حالها من ضعف إلى قوة، ولا يعرف التاريخ أن أمة قد أُخضعت لعقود على مسرح الاهتزاز والتوهين مثل الأمة الإسلامية، فكانت الثقافة التي يروجها الغرب بين شعوبها أنها آخر الأمم، وكان يبرز نجاحاته ويظهر فشلها في اللحاق به، وكان يبرز حاجتها الماسة لصناعاته وابتكاراته، وكان حكام المسلمين عملاء الغرب يخوضون الحروب الخاسرة واحدة تلو الأخرى، كالحروب المتعددة مع كيان يهود وحربي العراق وأفغانستان مع أمريكا وغيرها، ليتم في النهاية ترسيخ حالة الضعف والوهن عند الأمة وأنها لا تقدر على شيء.
وكان الحكام العملاء، ولا يزالون، يحاربون بشراسة كل محاولات إحياء الأمة بأفكار الإسلام، ويعلنون بأن حَمَلة الإسلام هم الفئة الضالة، وهم المتطرفون، وهم الإرهابيون. ولما قام المسلمون بثورات “الربيع العربي”على الحكام، سخّر الغرب كل إمكاناته لمنع التغيير والتفّ على الثروات وأعاد الأنظمة السابقة نفسها.
ولما شاء الله تعالى أن يباغت رجالُ غزة يهود ويجوسوا خلال كيانهم، أخذت سياسات الغرب تتساقط بتسارع غير منظور، وأخذت الأمة الإسلامية تستعيد عافيتها وصحتها بعدد كبير من عوامل القوة التي ترسخت وتعمقت خلال شهور الحرب الطويلة، وفي هذا المقال نقوم بتفصيل هذه العوامل وبيان عمقها وتأثيرها على مستقبل الأمة في السنوات القليلة القادمة.
النجاح يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما تلاه
حين تمكن قرابة الألف من المقاتلين الفلسطينيين الذين جُبلوا بالعقيدة الإسلامية من اقتحام كيان يهود من بوابة قطاع غزة، وأثخنوا في يهود الجراح، سقطت أسطورة جيش يهود الذي لا يقهر، فكانت هذه رسالة شديدة الوقع على جيوش المسلمين بأن تحرير فلسطين ليس مستحيلاً، بل قد يكون سهلاً للغاية.
ولما حشد يهود قرابة نصف مليون جندي مدججين بأحدث أنواع الأسلحة الجوية والبرية والبحرية للانتقام من قطاع غزة زاد ضعفهم، إذ إن هذا الجيش الكبير المدجج قاتل قرابة خمسة عشر شهراً في بقعة جغرافية صغيرة ومحاصرة، بل ومخنوقة من شدة الحصار الذي شمل قطع المياه والغذاء والدواء، ولم يتمكن من القضاء على المقاومة التي ظلت تسدد في جسده الجراح حتى آخر لحظة، وهكذا فقد زادت ثقة الأمة الإسلامية بنفسها، فكيان يهود عجز عن تحقيق النصر المطلق، وعجز عن أخذ أسراه من غزة بالقوة، وعن القضاء على المقاومة التي كان من أعظم أسلحتها سلاح عقيدة الإسلام.
وهكذا اكتشفت الأمة الإسلامية عظمتها وأنها قادرة على القتال، وأن عدوها عاجز عن النصر عليها، فإذا كان يهود بحاجة لقرابة نصف مليون جندي للسيطرة على ساحة صغيرة بحجم قطاع غزة، فإنه بحاجة لعشرات ملايين الجنود للسيطرة على ساحة بحجم بلاد الشام، وهذه الملايين ليست متوفرة عنده، ولا عند أمريكا، بل وليست متوفرة عند دول الناتو كلها، بمعنى أن أي حرب مع دول الكفر في بلاد الشام سينتصر فيها المسلمون حتى لو أتى للقتال بجانب يهود كل دول الناتو.
وقد يقول قائل بأن كيان يهود نجح في فرض إرادته على حزب إيران في لبنان، بل وعلى إيران نفسها خلال الحرب، نقول نعم، هذا صحيح بقدر ما، ولكن مرده إلى أن إيران لا تريد خوض الحرب، وحزبها كان يخوض الحرب متردداً مكتفياً بالمناوشات الحدودية حتى فرضها يهود عليه فرضاً في أيلول 2024، فلم تكن حربه ظافرة، بل إن إيران كانت تخذله، هذا فضلاً عن ضعف العقيدة الإسلامية لديه بعد خوضه سنوات من الحرب في قتل المسلمين السوريين، بمعنى أن إيران وحزبها اللبناني لم يخوضا الحرب بدافع العقيدة الإسلامية كما يخوضها مجاهدو غزة، بل إن هذا بحد ذاته درس آخر، بأن الحرب الظافرة إنما تكون حين تخاض باسم الله وفي سبيل الله.
حقيقة أن العقيدة أقوى من التكنولوجيا:
لم تشهد حروب الدنيا كلها عبر التاريخ حرباً كحرب غزة، فهذه هي الحرب الكبيرة الأولى بهذا المستوى من حيث خلل ميزان القوى بين الطرفين لدرجة المقارنة الصفرية، فتقويمات العلوم العسكرية لا تكاد تلحظ ما لدى المقاومين الفلسطينيين من سلاح خفيف، وربما تعتبره غير موجود أمام طائرات الشبح وطائرات الاستطلاع لكيان يهود ونظيراتها الأمريكية والبريطانية والألمانية التي جاءت لترصد مع يهود أي تحرك في قطاع غزة، وعشرات الآلاف من الجنود اليهود في كل بقعة من قطاع غزة مدججين بأحدث التقنيات العسكرية وأشدها فتكاً، وقطاع غزة محاصر من كل النواحي ولا يدخل إليه شيء، وفي المقابل جسور جوية من أمريكا لا تنقطع وتزود كيان يهود بسبعين ألف طن من الذخيرة والسلاح، وكذلك ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وفرنسا وصربيا والهند.
في ظل هذا الخلل الهائل وغير المسبوق قط عبر التاريخ يكبد المقاتلون في غزة جيش يهود خسائر فادحة في العدد والعتاد، وقد سبب ذلك إرباكاً هائلاً لقادة الجيش وخطط جنرالاته، وطالب وزير المالية باستقالة فورية لرئيس هيئة الأركان، وقد تحدث رئيس أمريكا بدهشة بالغة عن الأنفاق التي تمكنت المقاومة في غزة من بنائها والتحصن بها والانطلاق منها للعمليات التي فتكت بجيش يهود.
وفي ظل هذه الظروف فإن أكبر عوامل القوة التي كان يمتلكها المقاتلون هي العقيدة الإسلامية، والتي تجلت في الانتشار الواسع للناحية الاستشهادية وعدم مخافة الموت، فالمقاتل يواجه دبابات يهود من المسافة صفر والطائرات المسيرة فوق رأسه، بمعنى أن العقيدة الإسلامية الراسخة في قلوب المقاتلين هي من قاتلت التكنولوجيا وأفشلتها، وقاتلت أشد أنواع الأسلحة فتكاً وحيّدتها، فتكون حرب غزة قد أبرزت وبشكل صارخ قوة العقيدة الإسلامية في القتال والصمود.
وبهذا كله فإن ضباط الجيوش في البلاد الإسلامية والذين يتداولون اليوم أخبار الحرب باعتبارها خبزهم اليومي والأكاديمية المفتوحة للتعليم العسكري، هؤلاء اليوم يرون بأن العقيدة الإسلامية قد أحبطت التفوق العسكري وكسرت تكنولوجيا الغرب، وباتوا اليوم مقتنعين بصورة عملية بأن الغرب إذا كان يمتلك التكنولوجيا والأسلحة الفتاكة فإن المسلمين يمتلكون العقيدة الإسلامية، وإذا كانت العقيدة الإسلامية قد منعت يهود من الانتصار في بقعة غزة الصغيرة فإن توسع الحرب مع أمريكا ويهود والغرب لساحة أوسع مثل بلاد الشام أو مصر سيجعل تكنولوجيا الغرب وأسلحته تضيع ولا تظهر إلا بالمجهر أمام طوفان العقيدة الإسلامية، هذا بالإضافة إلى أن جيوش المسلمين ليست خاليةً من السلاح الفتاك الذي يمكّن الأمة من تحقيق نصر حاسم إذا ما التحم بالعقيدة الإسلامية.
ويدرك الضباط في جيوش المسلمين اليوم بأن تقوية هذه الجيوش وجعلها عظيمة ليس بحاجة إلا لوضع العقيدة الإسلامية داخل الجيوش، وهذا أمر سهل متيسر لأن الجنود والضباط مسلمون، ولا يمنعهم من ذلك إلا الحكام الذين يحاربون الدين والصلاة واللحى داخل الجيوش لضمان ولائها لهم ولأسيادهم في واشنطن وأوروبا.
وإذا كان هذا النصر العسكري المنتظر للمسلمين لا يمكن تصوره إلا بقتال يهود وتحرير فلسطين فإن الحكام هم العائق الوحيد أمام انطلاقة الجيوش لتحقيق النصر، لذلك فإن الوصول إلى النصر غير ممكن إلا بإسقاط هؤلاء الحكام، ولما كان إسقاط حاكم واستبدال حاكم مثله به لا يغير شيئاً فإن القناعة بعد تجارب “الربيع العربي” قد ترسخت بأن نظام الحكم يجب أن يسقط كلياً، ويجب أن يوضع مكانه نظام جديد يحمل العقيدة الإسلامية، أي بناء دولة الإسلام، والتي هي عينها دولة الخلافة الثانية التي وعدنا الله سبحانه وبشرنا بها نبينا محمد ﷺ «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ».
الصبر والصمود في قطاع غزة:
كان مما لا تخطئه العين طوال شهور الحرب في قطاع غزة صبر الناس وصمودهم أمام آلة القتل اليهودية، وظلوا صابرين محتسبين ولم يغادروا مناطقهم وأفشلوا مخططات يهود لتهجيرهم، والتي كان أبرزها خطة الجنرالات في شمالي القطاع. وهذا الصبر الضارب في العمق لم يكن مرده إلا العقيدة الإسلامية، بل إن كثيرين من أهل الغرب قد توجهوا للإسلام الذي يمنح البشر تلك الدرجة العالية من التحمل والأمل.
وبهذه الدرجة العميقة من التحمل بسبب رسوخ العقيدة الإسلامية فإن قادة الإسلام يمكنهم خوض الحروب الطاحنة ومن ورائهم أمة لا تبالي بالتضحيات، وهذا ما يجب على الضباط التقاطه بأن الحروب الأولى التي ستخاض ضد الغرب والتي يمكن أن تكون طاحنة بدرجة حرب غزة يمكن لأمتهم تحمل خسائرها وتضحياتها في سبيل الله، وكل ما يجب فعله في هذا الاتجاه هو تعزيز العقيدة الإسلامية في نفوس الأمة وشعوبها كما كانت غزة نموذجاً.
وقوف الغرب صفاً واحداً مع كيان يهود ضد غزة:
قتلت أمريكا منذ حربها على العراق سنة 2003 مليون عراقي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر بتخطيطها وتنفيذ أدواتها المحلية والإقليمية، وقتل عميل أمريكا بشار أكثر من مليون سوري، وكان ذلك بنصائح أمريكا وتوجيه منها، وقتلت أمريكا مئات الآلاف من الأفغان منذ احتلال أفغانستان سنة 2001، وقتل يهود مئات الآلاف في فلسطين ولبنان، وكل هذه الضحايا لم تستحق كلمة رثاءٍ من أمريكا وأوروبا. لكن عندما هاجم مقاتلو غزة كيان يهود وقتلوا ألفاً من يهود شبّه الغرب ذلك بالمحرقة والهولوكوست، وتقاطر قادته لكيان يهود لرثاء الضحايا؛ فوزير خارجية أمريكا بلينكن صرح بأنه جاء بوصفه يهودياً، ورئيس أمريكا بايدن صرح بأنه جاء بوصفه صهيونياً، وطالب رئيس فرنسا ماكرون بتشكيل تحالف دولي ضد حركة حماس، وكذلك ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وباقي الدول الغربية.
وفضلاً عن الجسر الجوي المفتوح الذي أنشأته أمريكا، ومعها دول أوروبا الغربية، وصربيا والهند، وطوال فترة الحرب التي سكت فيها الغرب عن مذابح يهود ضد أهل غزة والتي يندى لها جبين البشر فقد استمرت اللازمة لكل أحاديث المسؤولين الغربيين لا تنقطع وبكل وقاحة؛”حق (إسرائيل) أن تدافع عن نفسها”، و”يجب على حماس إعادة الرهائن”، حتى بات ذكر الغرب يثير الاشمئزاز في نفوس المسلمين.
إن ما يدعيه الغرب من حقوق الإنسان وحقوق الطفل وحقوق المرأة لم يدفعهم لحماية أطفال غزة من الذبح، ولم يدفع عن نساء غزة الموت والجوع، ولم تكن للإنسان في غزة أية حقوق، وهذا كله أوجد قناعة راسخة لدى المسلمين بأن العلاقة مع الغرب هي علاقة حرب.
وقد كان تصدي الغرب للمظاهرات التي اندلعت في مدنه تطالب بحماية أهل غزة دور كبير في التحام الجاليات المسلمة هناك بأمتها، فوزيرة داخلية بريطانيا سمّت تلك المظاهرات بـ”الكراهية”، وأما ألمانيا فقد قمعتها قمعاً شديداً وأسقطت ما تدعيه من ديمقراطية وحرية الرأي، وكذلك فرنسا وباقي الدول الأوروبية التي رأت في تلك المظاهرات نهوضاً للجالية المسلمة وتأثيرا على ذوي القلوب الرحيمة من أبناء الغرب، فمن يقف ضد مذابح يهود في غزة هو إرهابي ويناصر الإرهاب، وهو معاد للسامية، ويجب قمع صوته، وقد رأينا قسوة قوات الأمن في أمريكا في التعامل مع المظاهرات الطلابية داخل الجامعات، وكيف كشرت عن أنيابها وتخلت عن ديمقراطيتها، وكأنها تقول إن حرية التعبير هي حرية حرق المصحف الشريف وحرية الإساءة للنبي الكريم ﷺ.
وهكذا فإن حرب طوفان الأقصى التي جاهر فيها زعيم يهود نتنياهو بأنه إنما يحارب نيابةً عن الغرب في خط الدفاع الأمامي ضد المسلمين، قد نفضت كل الغبار عن العلاقات الإسلامية الغربية وكشفت أنها علاقات حربية ليس إلا، وكل ما سواه كان خدعة من الغرب، وهذا من فضل الله تعالى، ومن بركات غزة والأرض المباركة فلسطين، وأن المسلمين صاروا يقابلون الغرب بالنظرة العدائية نفسها التي ينظر بها الغرب للمسلمين، وهذا له ما بعده في تعزيز رفض المسلمين للعلاقات التي يفرضها الحكام مع الغرب، من تبعية وصداقة وودّ واتباع، ورفض القائمين عليها من الحكام والاستعداد ووضع الخطط لخلعهم ووضع الإسلام في الحكم.
عداء الحكام في البلاد الإسلامية لأمة الإسلام:
صحيح أن “الربيع العربي”أظهر درجة عالية من العداء بين الأمة وحكامها، لكن الأصح بأن جزءاً من الأمة، وإن قلّ، كان يناصر هؤلاء الحكام لمصالح له معهم، أو لكونه من الحزب الحاكم، فانطلت عليه عملية التفاف الغرب على “الربيع العربي”الذي وضع سيسي بديلاً لحسني، وحفتر بديلاً لقذافي، وهكذا، إلا أن حرب غزة بما كشفته من التحام الحكام مع كيان يهود لم تُبقِ ولم تذر، بل طالت الفئة القريبة من الحكام الذين رأوا تآمر هؤلاء الحكام على أهل غزة.
فمن كان يتصور بأن الإمارات ستمد كيان يهود بطائرات محملة بالذخيرة تهبط في مطارات النقب، وقد كشفت ذلك صحف كيان يهود؟! ومن كان يتصور أن يضطر زعيم يهود نتنياهو للبوح بأن كل “دول المنطقة” تريد القضاء على حماس وغزة؟! ومن كان يتصور أن نظام بشار الذي مدت له حماس يدها قام بإعدام 94 من أعضائها في سجون سوريا؟! ومن كان يتصور أن يهود يحصلون على معلوماتهم عن الإيرانيين في سوريا وحزب إيران اللبناني من النظام السوري؟! ومن كان يتصور أن السيسي يتفاوض مع يهود لشطب بنود اتفاق كامب ديفيد الخياني وتمكين يهود من دخول ممر صلاح الدين “فيلادلفيا” وتمكينه من ضرب المقاومين في منطقة رفح؟! ومن كان يتصور أن حاكم بلاد الحرمين يتحدث عن التطبيع مع كيان يهود أثناء مذابح الكيان في غزة؟! ومن كان يتصور أن أردوغان تركيا الذي ملأ الدنيا جعجعةً وآمنت به “الحركات الإسلامية المعتدلة” وأنه يناصر فلسطين أنه كان يمد طائرات يهود بالوقود الأذري الذي يعبر من أراضيه وكذلك الإمدادات الأخرى، وعندما أعلن قطع التجارة مع كيان يهود استمرت عبر أطراف ثالثة؟! وهكذا سقط الحكام كلهم دفعة واحدة، وبعد السقوط المروع لنظام بشار أسد استدعت مصر رئيس هيئة أركان يهود ومُديري أمنه للبحث في حماية النظام المصري، وكذا دول الخليج، (رئيسا أركان الجيش (الإسرائيلي) والشاباك زارا القاهرة بشكل عاجل، أمس، بطلب من مصر. ويرجح أن يزورا عواصم عربية “وخاصة في دول الخليج”، بادعاء أنهم “بدأوا يشعرون في الشرق الأوسط بهزات ارتدادية “للزلزال في سوريا،…، وكان القلق المصري هو سبب طلبهم عقد لقاء عاجل مع هليفي وبار، اللذين التقيا لساعات نظراءهما المصريين، حسبما ذكرت صحيفة معاريف اليوم، الأربعاء،…، وأردفت الصحيفة أن “التخوف الآن هو أن عددا كبيرا من الجماعات، بين اللاجئين السوريين وكذلك معارضي الأنظمة في أنحاء الشرق الأوسط، سترفع رؤوسها، من الأردن والعراق وحتى انتفاضة متجددة للإخوان المسلمين في السعودية والبحرين والكويت، وفي مصر أيضا”. عرب 48، 11/12/2024)
وقد وقف هؤلاء الحكام سداً منيعاً أثناء حرب طوفان الأقصى لمنع جيوشهم من نصرة غزة، وقاموا بملاحقة كل من يظهر عليه توجه لذلك. وقد ركز نظام السيسي على أن مسؤولية جيش مصر هي حماية المصريين، وكذلك وقف الجيش الأردني ليصد أي محاولة من أي فرد لاقتحام الحدود وضرب يهود، وهذه المواقف كانت في مقابل الشعور الشعبي العارم بأن الأمة أمة واحدة، وأن عدوها واحد، ولكن الحكام كانوا يخذّلونها عن نصرة غزة ويمنعونها من ذلك، ويتخذون كل أشكال القمع ضد من يحاول التحرك لنصرة غزة، ومن شدة ذلك كانت المظاهرات المناصرة لغزة في المدن الأوروبية والجامعات الأمريكية أكثر قوةً من نظيراتها في البلاد الإسلامية.
وقد أحدث هذا صدمة شديدة عند المسلمين عندما شاهدوا عمق تخاذل حكامهم وتآمرهم وشدة عدائهم، فقد اكتشفوا أن كل حكامهم من أردوغان إلى خامنئي إلى السيسي إلى حكام النفط وكل الباقي معهم، لا يساوون كيس شعير في الحلبة الدولية، وأن اتصالات بعضهم ببعض واجتماعاتهم وقممهم وزياراتهم الدولية وبال حقيقي على الأمة، بل إن مردودها سلبي وشديد القتامة، فما من حركة يتحركونها إلا وترتد تضييقاً وقمعاً على المسلمين ومزيداً من الفقر في بلادهم.
خلاصة
ويمكن القول إن صدمة حرب الطوفان لدى الأمة الإسلامية قد حملتها حمل الضرورة على التخطيط القريب للتخلص من هؤلاء الحكام وخلعهم، وعندما تشتعل الأمة وتثور فإن الحبل سيلتف حول أعناق الحكام، ولعل هؤلاء الحكام وبعد صدمة غزة يشاهدون المشاعر المعادية لهم تتسرب إلى محيطهم، لذا تراهم يستنجدون بمديري الأمن في كيان يهود للدفاع عنهم.
ولكن الأمة اليوم وفي ظل كل الظروف التي أنتجتها حرب طوفان الأقصى، وعمقتها بالمشاهدات والمواقف الفعلية، وصارت مفاهيم عملية دافعة لها، فهي اليوم لا ينطلي عليها تبدل الحكام، بل تريد إسقاطاً فعلياً للنظام. وبما أن هذه الأنظمة القائمة هي جزء من الغرب فإن إظهار العداء للغرب هو جزء لا يتجزأ من عملية إسقاط النظام، بمعنى أن التغيير الذي تخطط له الأمة اليوم هو تغيير ذاتي أولاً، فلا تنسق بشأنه لا مع حاكم تركيا ولا مع أمراء المال في قطر والسعودية، فهي تريد تغييراً على أساس الإسلام، وبناء دولته من جديد، وتتوق إلى استئناف الحياة الإسلامية وإقامة الخلافة وتحطيم الحدود.
وإذا كانت رأس الكفر أمريكا، ومعها دول الكفر الغربية، تقتل المسلمين بالملايين كما في العراق وأفغانستان وسوريا ولبنان وفلسطين، وغيرها، فإن الأجدر أن تكون هذه التضحيات من الآن فصاعداً خالصةً في سبيل الله، فدماء أبناء الأمة لا يجوز أن تذهب هدراً، بل يجب أن توجه لتحقيق أهداف الدين بشكل مباشر، وعندها لا يندم المسلمون على أرواح تعرج لربها أثناء إخراج القواعد العسكرية الأمريكية من بلاد المسلمين، ولا يندمون على الشهادة من أجل تحرير فلسطين والقضاء على يهود قضاءً مبرماً، وفتح المسجد الأقصى لكافة أبناء الأمة الإسلامية للصلاة فيه، ولا يندمون على الشهادة في سبيل فتح البلدان الأوروبية وفتح روما ونشر الإسلام والعدل بين هذه الأمم التي تنشر دولها بيننا الظلم والظلام والقذارة.
وعندها تصبح أمة الإسلام بعقيدتها وصدق دينها عَلَماً يرشد أمم الأرض إلى الهداية وتصبح أمة مرهوبة الجانب، وما ذلك على أمة الإسلام ببعيد، فإذا كانت زمجرت لبضعة أيام فأخرجت بشارا ونظامه من حياتها بعد أن أذاقها ألوان العذاب فإنها قادرة في بضعة أيام أخرى على أن تخرج أهل مصر من غيبوبة العمالة والمهانة التي يفرضها نظام السيسي، وأن تخرج أهل نجد والحجاز من مجون ابن سلمان وعمالته، فتغدوالأمة الإسلامية بشامها ويمنها وجزيرتها وعراقها ومغربها ومعها باقي ديار الإسلام أمة واحدة لا فضل فيها لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، أمة تفتح البلدان وتنشر الهداية والعدل بين الأمم، ولا يقف في طريقها أحد، فكلما زمجرت تزلزلت الأرض من حولها وتصدعت الجبال لما تحمله الأمة من رسالة القرآن، وانهارت الجيوش من أمامها وفُتحت لها آفاق كانت قبل قرون تُفتح لأجدادها بسهولة ويسر، وإن غداً لناظره لقريب.
2025-04-02