قضية فلسطين بين مخططات المستعمرين وتطلعات المسلمين
يوم واحد مضت
المقالات
89 زيارة
علاء أبو صالح- فلسطين
لم يكن نشوء قضية فلسطين نشوءاً طبيعيا منذ اللحظة الأولى، فهي ليست نتيجة احتكاك بين شعوب متجاورة، ولا خلافاً على الحدود أو صراعاً على الخيرات أو على الموقع الاستراتيجي، بل كان نشوؤها حلقة من مسلسل الصراع بين الحضارات القائم بين الغرب بملله المختلفة وبين المسلمين.
ففلسطين، ببيت مقدسها، كانت ساحة صراع حضاري منذ بزوغ فجر الإسلام فيها، فكانت ساحةً للحروب الصليبية، ومنتهى الحملات المغولية، وها هي اليوم ساحة المواجهة مع كيان يهود ومن ورائه الدول الغربية.
ولما كان نشوء هذه القضية مرتبطاً بصراع الحضارات، كان لا بد من فهمها في هذا السياق، فاحتلال فلسطين بعد هدم الخلافة ليس مصادفة، بل هو عمل مدروس، واختيار فلسطين لتكون موطنا لليهود تخطيط استعماري خبيث.
لقد أراد الكافر المستعمر أن يغرس كيان يهود كخنجر مسموم في خاصرة الأمة، ليحول دون وحدتها وإقامة خلافتها، وأراد كذلك أن يجعل من قضية فلسطين عامل إشغال وإلهاء للأمة عن قضيتها المصيرية، وباتت هذه القضية -في العلن والإعلام- هي قضية الأنظمة العربية المحورية، فأراد هؤلاء أن يشغلوا الأمة عن السعي لتحكيم شرع ربها، وعن خيانة حكامها، وعن ضياع ثرواتها وعن انحدار مكانتها بما كان يسمى قضية العرب الأولى، قضية فلسطين، وفلسطين منهم ومن مؤامراتهم براء.
لقد كانت هذه الأرض المباركة، بمسرى نبيها، ولا زالت، صخرة تتحطم على عتباتها مخططات الكافرين، فرغم الكيد والمكر إلا أن السحر انقلب على الساحر وردّ الله كيد الكافرين إلى نحورهم لم ينالوا خيرا. فمن فلسطين بزغت دعوة الخلافة، وغدت فلسطين منبّها للأمة بأسرها إلى مدى حاجتها للخلافة، وشاهداً حياً على قضية الأمة المصيرية، وها هي أحداث “طوفان الأقصى”قد جاءت لتؤكد هذه الحقائق.
لقد عززت حرب غزة عدة مفاهيم جوهرية لدى الأمة الإسلامية، وأدركتها الأمة إدراكاً حسياً، وهي مفاهيم هامة في سير الأمة لاستعادة خلافتها وسلطانها المسلوب؛
-
لقد وسعت حرب غزة الفجوة بين الأمة وحكامها، ولقد بان للأمة مدى خيانة حكامها وتآمرهم، بل هم لعدوها أقرب، بل هم في صفه وفسطاطه، لا فرق في ذلك بين حاكم وآخر، لا فرق في ذلك بين عبد الله الثاني وأردوغان، ولا بين السيسي وابن سلمان، فقد سقطت ورقة التوت عن سوآتهم، وانكشف حالهم للقاصي والداني، وأصبحت الأمة تدرك أن هؤلاء “الأغيار”هم سبب ما يلم بها من مصائب، وسبب ضياعها وسبب امتهان الأمم لها، فلقد شاهد المسلمون كيف عجز هؤلاء عن إدخال شربة ماء لأهل غزة طوال خمسة عشر شهرا، بل كيف أمدّ هؤلاء كيان يهود بالطعام والثياب والوقود في تصرف يندى له جبين كل حر.
إن هذه الحقيقة التي باتت مفهوماً راسخاً لدى الأمة هي تَخَطٍ لعقبة في طريق السعي لإقامة الخلافة، الخلافة التي ستقوم على أنقاض حكام الضرار، وتلك بشارة خير.
-
كما عزز “طوفان الأقصى”وما تبعه من أحداث ثقة الأمة بنفسها وقدرتها على مواجهة القوى الغربية، فلقد شاهدت الأمة كيف تمكّن بضعة آلاف من أبنائها من تحطيم هيبة كيان يهود، هذا “البعبع”الذي كان الحكام يخوفون به المسلمين. فقد تمكنت فئة قليلة، فتية آمنوا بربهم، من تمريغ أنفه وأنف القوى الغربية التي تقف خلفه بالتراب، فكيف لو تحركت الأمة بكل طاقاتها في مواجهة أعدائها، وكيف لو تحركت جيوشها وفيالقها ودباباتها وطائراتها، وكيف لو تحرك جموع المسلمون وزحفوا زحفاً نحو الأرض المباركة؟! لا شك أنهم سيُنصرون بالرعب ولن تقوى أية قوة على ظهر البسيطة على الوقوف في وجههم.
-
إن المعركة التي حصلت على أرض غزة لم يكن طرفها كيان يهود فحسب، بل من خلفه كل قوى الطغيان، وهو ما يؤكد حقيقة الصراع، وأن ملة الكفر تقاتل المسلمين وترميهم عن قوس واحدة، وأن ما يدور رحاه على ثرى الأرض المباركة هو حرب ضد الإسلام والمسلمين، ولقد أشار إلى ذلك رئيس وزراء كيان يهود “نتنياهو”بأنهم يخوضون حرباً دفاعا عن الحضارة الغربية ودول العالم الحر! فقد قال في كلمة له في الكونغرس (نحن نخوض حروباً دفاعاً عن أمريكا ودول المنطقة)، وهذا يدعو المسلمين لإدراك طبيعة المعركة لتوحيد الجهود وعدم فقدان البوصلة والغرق في مخططات الدول الغربية ورمال الشرعة الدولية!
-
رسخت هذه المعركة أهمية الجيوش في معادلة التغيير، وأن تهميشها وعزلها عن قضايا الأمة يعد مقتلاً وترسيخاً لواقع الذل والمهانة الذي يخيم على بلاد المسلمين، ولقد أدرك المسلمون في هذه الحرب مدى حاجتهم للجيوش لحسم المعركة والدفاع عن أهل فلسطين ومقدساتهم، وباتت الأصوات تتعالى بضرورة تحرك الجيوش، وهو ما يفسر احتفاء الناس بمحمد صلاح والجازي وغيرهم من الأبطال الذين كسروا قيود الذل وتحركوا فردياً نصرة لإخوانهم في غزة.
وكما أن هذه الجيوش لا بد أن تؤدي دوراً في الدفاع عن المسلمين ورد أي عدوان عليهم، هي كذلك يجب أن تنصر العاملين للتغيير وإقامة الخلافة، وذلك لأن أي تحرك عسكري لا بد أن يكون تحت مظلة قيادة سياسية مخلصة، وهذا لا يمكن أن يتوفر في ظل حكام الضرار،وإنما في ظل الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، التي تتبنى مصالح الأمة وتدافع عن حرماتها ومقدساتها وكرامتها ومكانتها بين الأمم. وهذا ما يخشاه المستعمرون، لذلك كانت كل دعوات الدول الغربية وأتباعها من الأنظمة منذ اندلاع الحرب تؤكد ضرورة عدم توسع الحرب، وذلك خشية التحام الجيوش بأمتها وتفلتها من عقالها.
-
فضحت حرب غزة الحضارة الغربية وأظهرت نفاقها وزيفها، فالدول الغربية التي طالما أصمت آذاننا بحقوق الإنسان والمرأة والطفل رأيناها كيف ناصرت كيان يهود ودعمته دعما مطلقا في بطشه بالمدنيين والعزّل وتشريده للناس وتجويعهم، ففضح ذلك حقيقتها وزيف دعاويها.
هذه بعض الأفكار التي ترسخت بالواقع المحسوس لدى الأمة، وهي تؤكد على أن قضية فلسطين ستبقى منبهاً للأمة على ضرورة استعادة خلافتها.
لقد حق لفلسطين والخلافة أن يكونا توأمين لا ينفصلان، ففلسطين فتحتها الخلافة، وحررتها الخلافة، وحفظتها الخلافة، وبهدم الخلافة احتلت فلسطين، ومن أقصاها بزغت دعوة الخلافة من جديد، وبعودة الخلافة ستحرر بإذن الله من جديد، وما ذلك على الله بعزيز.
2025-04-02