العدد 462_463_464 -

السنة التاسعة والثلاثون، رجب – شعبان – رمضان 1446هـ الموافق كانون الثاني – شباط – آذار 2025م

قضية فلسطين قضية المسلمين الجامعة

فؤاد العامري – اليمن

تُعد قضية فلسطين واحدة من أكثر القضايا الإنسانية والسياسية تعقيدًا في العصر الحديث، فهي تلامس قضايا الهوية والتاريخ والدين. إذ تُعد فلسطين التي تحتضن مقدسات المسلمين مثل المسجد الأقصى، رمزًا للصمود والتاريخ العريق، مما يجعلها قضية تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، لتصبح قضية تُعنى بها قلوب جميع المسلمين حول العالم، بحيث تعتبر القضية الفلسطينية جزءًا لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية. فالقدس والأقصى هما جزء من ثقافة الأمة، والواجب الديني يحث جميع المسلمين على دعم قضية فلسطين والدفاع عنها. لذا فإن أي اعتداء على أرض فلسطين يتعدى أهل فلسطين، من حيث هو اعتداء على الأمة الإسلامية. 

يقال إنّ فهم الطبيعة التي لازمت قضية فلسطين اليوم من بين القضايا العالمية المعاصرة يستوجب ملاحقة هذه القضية من أقدم العصور، لكونها القضية الوحيدة التي تضرب جذورها في أعماق التاريخ لآلاف السنين. إذ لا يمكن فهم الصراع الدائر اليوم دون الرجوع إلى التاريخ القديم. صحيح أننا لو عدنا إلى التاريخ القديم لفلسطين لأحطنا بمختلف جوانبها الدينية والقومية والحضارية والعمرانية والسياسية، وما يربطها ببني إسرائيل وقبائل العرب الأولى المعاصرة للكنعانيين والقبائل العربية التي استقرت في العهد الروماني، ثم بعد ذلك الفتح الإسلامي والحضارة الإسلامية، لكن ما نراه اليوم وما يحدث في فلسطين لا علاقة له بالتاريخ القديم، حيث إن ادعاءات التاريخ القديم إنما هي ذريعة لتبرير الاستعمار ولتنفيذ مخططات الحركة الصهيونية. إذ إن تاريخ فلسطين الحديث قد تعرض لهجمة صهيونية لفحته نيرانها من أوروبا، نعم من أوروبا مهد الاستعمار ومهد الحركة الصهيونية. 

بريطانيا لم تكن مجرد دولة انتدابية بالنسبة لفلسطين كما كانت بالنسبة للأردن أو العراق. فهي من أصدرت صك ميلاد الدولة اليهودية، للاستيطان القادم بعدها. وكان ذلك قبل أن يتقرر دوليًا انتدابها على فلسطين أو حتى قبل أن يدخل جنودها أرض فلسطين. وهذا يبين لنا حجم التخطيط المسبق في إقامة كيان يهود.

ولو نظرنا إلى التاريخ الحديث لوجدنا أن العائق الوحيد أمام تنفيذ مخططات إقامة هذا الكيان كان وجود الدولة الإسلامية، الخلافة العثمانية. فالمؤامرات التي أسهمت في حياكتها الحركة الصهيونية للإطاحة بدولة الإسلام كانت لها علاقة بإقامة كيان يهود.

لا شك أن وجود الدولة الإسلامية كان له دور مهم وكبير في تحقيق الوحدة وتقوية الأمة الإسلامية والدفاع عنها من أي اعتداءات خارجية. فقد كان ينظر اليهود إلى الأراضي الإسلامية وما تحويه من ثروات طبيعية هائلة أو مواقع إستراتيجية مهمة نظرةً تحفّزهم على الاستيلاء على هذه الثروات واستحواذها. فسعوا في تنفيذ بعض مخططاتهم لإقامة كيان يهود. ففي عام 1902 قدم مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل عرضا للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني لشراء فلسطين وتحويلها إلى وطن لليهود مقابل سداد ديون الدولة الإسلامية، إلا أن طلبه قوبل بالرفض، حفاظًا على المقدسات الإسلامية وعلى وحدة الدولة الإسلامية واستقلالها، مع أن الإمبراطورية الألمانية -وبعدها إنجلترا- هي من كانت تتبنى القضية الصهيونية (تاريخ الحركة الصهيونية لثيودور هرتزل). إلا أن وحدة الأمة الإسلامية في ظل دولة إسلامية واحدة وما تمتلكه من قوة ومن إمكانيات، كان يمثل حاجزًا منيعًا أمام مخططات الحركة الصهيونية في زرع هذا السرطان الخبيث في جسد الأمة ( كيان يهود). فعمل اليهود على الإطاحة بالدولة الإسلامية من أجل تنفيذ مخططاتهم. 

فعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914 ودخلت الدولة العثمانية في تحالف مع ألمانيا ضد فرنسا وإنجلترا، استغلت الحركة الصهيونية تحت رعاية إنجلترا فرصة الحرب لتحريض الشريف حسين في الحجاز على الثورة والانتفاضة ضد الدولة العثمانية، مقابل دعمهم في إقامة دولة مستقلة للعرب. وبالفعل ثار الشريف حسين ومعه لورنس الإنجليزي ضد الدولة الإسلامية، وكان ذلك في عام 1916، متوهمًا بوعود من لا عهد لهم ولا ذمة. انتهت الحرب بهزيمة الدولة العثمانية أمام أعداء الخارج وخيانة الداخل، فانسحبت من الجزيرة العربية وبلاد الشام. ثم قام عدو الله مصطفى كمال بإلغاء نظام الخلافة عام 1924، وأقام جمهورية تركيا العلمانية. ثم جاءت قوى الكفر الاستعمارية لتلتهم ما تبقى من تركة الدولة الإسلامية، حتى إنها لم تفِ بأي وعد قطعته لمن خانوا دولة الإسلام، بل عملت على تصفيتهم. فاليهود معروفون على مر التاريخ بأنهم أشد الناس عداوة للأمة الإسلامية وأنه لا عهد لهم ولا ذمة. 

قُسمت المنطقة بناء على اتفاقية سايكس بيكو إلى عدة دويلات، أُقيمت على أساس القومية العربية التي استبعدت الدين من مقومات الأمة، وجُعلت الدول القومية التي قامت علمانية التوجه استنادًا إلى الفكر الغربي. وكانت نتيجة هذا التقسيم أمة مشتتة لا حول لها ولا قوة، بحيث كانت فريسة سهلة أمام أطماع الغرب. فقد انتدبت عصبة الأمم بريطانيا على فلسطين، وكان من أولى واجباتها تنفيذ وعد بلفور الذي أعطته بريطانيا للحركة الصهيونية عام 1917 لإقامة وطن لليهود في فلسطين. ولم يكن زرع هذا السرطان (كيان يهود) في فلسطين بالذات صدفة، وإنما كانت له أبعاد مستقبلية، منها: فصل المشرق العربي عن المغرب العربي، وجعل المنطقة في حالة من عدم التوازن. لأن التوازن يولد الاستقرار، والاستقرار يولد النهضة، وهذا ما لا يريده الكفار للأمة الإسلامية (مؤتمر كامبل بنرمان). فبعد أن عملوا على إسقاط دولة الإسلام وتقسيم الأمة لن يسمحوا للأمة بأن تنهض، إذ إن نهضة الأمة هي بيد الأمة في حال أرادت ذلك، وليس بيدهم. 

استعمرت قوى الاستعمار بعض الدول الأُخر، واستمر الاستعمار ما يقارب القرن وأكثر، وثارت بعض الشعوب وحاربت المستعمرين. فلاحظ المستعمرون أنه لا مجال لاستمرار السيطرة العسكرية، فسلموا الحكم بالوكالة لبعض القوميين العرب. وقد أدى اتجاه الحكام إلى تكوين الأمة بالفكر القومي واستبعاد الدين الإسلامي من أي دور في تكوينها، وبشكل خاص في نظام الحكم، إلى تعثر الدولة القومية في تعاملها مع الواقع. لأن الإسلام في حقيقة أمره عنصر أساسي في بناء الأمة، وهو متغلغل في كل حياتها النفسية والعقلية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية… فهذا الخطأ من القوميين العرب في التعامل مع الواقع جعل حكوماتهم من أسوأ الحكومات، في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. فتخلف هذه الدول وتفرقها وعجزها عن تحقيق أي هدف وعمالتها لدول أجنبية كان سببًا في هزيمتها أمام كيان يهود في أكثر من حرب. ونتيجة هذه الهزائم رضخت بعض الحكومات وطالبت بالصلح مع كيان يهود،بعضها علانية وبعضها سرًا. وأصبح يُنظر إلى جيش كيان يهود على أنّه الجيش الذي لا يقهر. ولم يكتفوا بالصلح معه فقط، بل إنهم عملوا على حمايته من أي مقاومة. وهذا واقع نعيشه اليوم. 

لقد جاءت عملية طوفان الأقصى المباركة من غزة العزة، فكان لهذا الطوفان أثر كبير في الأمة.فقد غير مفاهيم الكثير من الناس المسلمين وغير المسلمين. إذ شاهد العالم بأجمعه كيف نفذت ثلة من المسلمين في بقعة صغيرة يحاصرها  كيان يهود والكيانات العربية العميلة عملية دقيقة على قلة الإمكانيات والكثير من التحديات، وكيف عجز العدو عن التصدي لها. وهذا يبين لنا قدرة الله ومعيته في غزة، إذ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [سورة محمد: الآية 7].

لقد كشف لنا هذا الطوفان حقيقة الجيش الذي لا يقهر، وبين لنا تقاعس هذه الأنظمة الخائنة عن واجب تحريك الجيوش لنصرة المسلمين وحماية المقدسات. ولم يكتفوا بذلك فقط، بل شكلوا سياجًا متينًا لحماية هذا الكيان والدفاع عنه ومنع أي عمل من الأمة للجهاد ضده. ومع ذلك تمكنت تلك الثلة المؤمنة من إيلامه. 

ثم أتى بعد هذا الطوفان نصر آخر، وهو إسقاط طاغية الشام في وقت قصير لم يكن يتوقعه أحد، وطرد النفوذ الإيراني من بلاد الشام. إذ قدمت هذه الانتصارات أصدق نموذج للأمة في القدرة على هدم هذه الكيانات مهما تكالبت معهم أعداء الخارج وخيانة الداخل، وعلى معية الله تعالى في نصر عباده المؤمنين الصادقين. فالله سبحانه وتعالى يقول: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ} [سورة الأنفال: الآية 65]. 

فهذه الانتصارات ما هي إلا رسالة لنا لنشد الهمم في استكمال ما تحقق من انتصارات بإعادة تحكيم شرع الله وتحرير البلاد من الاستعمار. فيجب على الأمة في الوقت المعاصر توجيه نظرها والاستفادة من تجربة المسلمين السابقين والانتباه إلى تلك العوامل التي أدت إلى انتصارهم، من خلال التوجه إلى الوحدة وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي وبروز الوعي الديني والشرعي. فلا سبيل لنهضة هذه الأمة إلا بهدم هذا الكيان، ولا سبيل لهدم هذا الكيان إلا بإسقاط هذه الأنظمة الخائنة وإقامة دولة الإسلام وإعلان الجهاد في سبيل الله…. 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يورثنا الأرض المباركة ويطهرها من رجس يهود، ويورثنا ديارهم وأموالهم وأسلحتهم، وإننا لنأمل من الله أن يجعلنا من شهود ذلك. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *