الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودور العلماء
يوم واحد مضت
المقالات
107 زيارة
أ. أكرم ناجي – اليمن
إن الله سبحانه وتعالى أناط بجميع المسلمين تطبيق أحكام الإسلام كلها، وأمرهم بالمحافظة على عقيدته وتطبيق أحكامه ونشرها للعالم أجمع، وسمى هذا بالمعروف وبالخير، وفي المقابل نهاهم عن كل أمر محدث ليس من الإسلام، وأمرهم بملاحقة كل فكر دخيل حدث أو سيحدث، وسمى هذا نهيا عن المنكر، وكانت أمةُ محمد ﷺ خيرَ الأمم وأفضلها على الإطلاق، لتشرّفها بحمل هذه المهمة،مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}. فما نالت أمة محمد ﷺ هذا الشرف وهذا الوسام إلا لأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر وإيمانها بالله، ومتى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سقطت الأمة من هذه المرتبة، وسُحب منها هذا الوسام وهذا الشرف واستحقت النار، قال تعالى: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ}.
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمل، ونحن مأمورون به، قال ﷺ ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). وهو عمل لا بد أن يسبقه علم، وأن يكون هذا العمل بحسب العلم الشرعي، وإلا لما كان العمل عبادة، وإلا فكيف يأمر بالمعروف من يجهله؟ كيف يأمر به وهو فاقده “وفاقد الشيء لا يعطيه”؟ وكيف يُتصور نهي عن منكر ممن لا يعرف ما هو المنكر؟ فالعبادة هي الأصل والعلم لازم لها. فبعد أن يحصل العلم بالشرع لا بد له من عمل. ونحن بصدد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن نبين الجهات التي أنيط بها واجب القيام بالدين حتى يتسنى لنا أن نعرف الجهات التي أُنيط بها واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن القيام به يعني تطبيق الأحكام الشرعية.
والأحكام الشرعية يجب على كل فرد القيام بها، كالصلاة والصيام وكافة الواجبات الشرعية، وأن يبتعد عن كل محرم ومحظور نهى الشرع عنه. ولكن هناك أحكام لا يقوم بها إلا الخليفة أو الأمير، ولا يجوز لغيره أن يقوم بها، كإقامة الحدود وإعلان الحرب أو الصلح مع الأعداء، وتبني بعض الأحكام الإلزامية لرعاية شؤون الأمة. ومنها ما هو منوط بالخليفة ويجوز للأفراد القيام به في بعض الحالات. ومنها ما هو منوط بالأفراد وإن قصروا قام به الخليفة، كرعاية الشؤون الفردية من نفقة وغيرها، ومنها ما هو منوط بالجماعة، كمحاسبة الحكام والعمل لإقامة دولة الإسلام والتصدي لكل حاكم ظالم أو فاسد. وإذا تبين لنا من هو الذي أنيط به واجب القيام بالدين سيتضح لنا من أنيط بهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالمجتمع بأفراده وحكامه وجماعاته كل صنف يقع على عاتقه مهمة القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالإسلام من حيث التطبيق لم يوكل إلى جهة واحدة بل حدد لكل جهة عملها وواجبها، فعندما تعي كل جهة وتفهم ما أنيط بها وتطبقه وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر عندها فقط يُقام الإسلام كما أُريد له أن يُقام.
وهنا يأتي السؤال، أين موقع العلماء من هذه الجهات؟ وما دورهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
والجواب هو أن العلماء لهم موقع مهم وحساس في الأمة الإسلامية، فهم فئة مميزة لما حباها الله سبحانه وتعالى من المكانة والقرب عنده، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}. كيف لا وهم ورثة الأنبياء. وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر، فضلاعن أن العلماء هم أكثر خشية لله من غيرهم، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، والعلماء هم حجة الله في الأرض، وهم من أمرنا الله أن نسألهم إذا أشكل علينا حكم شرعي أو جهلنا أمراً أو حدثت حادثة، فقال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. فهم أكثر الناس فهماً للنصوص الشرعية وأكثرهم غيرة على الإسلام وأحكامه. فكم حكى لنا التاريخ من وقفات بطولية للعلماء عندما حاول أعداء الإسلام تشويه الإسلام وتحريف عقائده وأحكامه أو غزوه والاعتداء عليه. فاسألوا التاريخ عن الإمام البخاري وعن الإمام أحمد وعن الإمام الغزالي، ولا تنسوا سلطان العلماء الإمام العز بن عبد السلام الذي تصدى للمغول والتتار، فصفحات التاريخ تزخر بما سطره علماء المسلمين وكيف انبروا للوقوف في وجه أعداء الإسلام، فمداد العلماء يوزن بدماء الشهداء يوم القيامة.
وأما دورهم في المجتمع فمما ورد في الأثر: (صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس; العلماء والأمراء). فالناس بطبيعتهم يميلون إلى تبجيل أهل العلم واحترامهم، لما يلاحظونه عليهم من تقوى وخشية وعلم، فهم محل نظر العامة والخاصة والمحبين والمبغضين.
وقد كان العلماء يصدعون بالحق ولا يخشون لومة لائم، وكانوا ممتثلين قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}. وكانوا مع تصديهم للهجمات التي يشنها أعداء الإسلام على الإسلام والمسلمين كانوا إلى جانب ذلك يصدعون بالحق في وجوه الحكام والسلاطين، ويزجرونهم، ويقفون في وجه الظالم ويردعونه، ولا يخافون من بطشه ونقمته عليهم، فكان الحكام يخشونهم ويتوددون إليهم حتى وصل الحال ببعض الحكام أن أمروا جندهم وحاشيتهم إذا رأوا عالماً يسير نحو قصر السلطان ومجلسه بأن يخبروا الحاكم بقدوم العالم قبل أن يصل فيتهيأ لكيلا يراه العالم على غير ما ينبغي. وما تقبل الناس شيئا جديدا ولا استساغوه إلا لأن عالماً قال به وقبله، وما استطاع الحكام ولا الغرب ولا غيرهم أن يُدخلوا إلى الناس شيئا جديداً إلا من طريق العلماء.
ففهم الحكام هذه المكانة التي لدى العلماء وخاصة في زماننا، فاستمالوا ضعاف الإيمان منهم، وقربوهم إليهم،وجعلوا لهم مكانة بين المجتمع، وأغدقوا عليهم العطايا والأموال، وصدروهم للمجتمع على أنهم علماء يفتونهم بما يرضي السلطان، ويُحلون لهم ما أحله السلطان، ويعمدون إلى النصوص فيلوون أعناقها، ويُخضعونها لأهواء الحكام والسلاطين، كل ذلك حباً في الدنيا وإيثارا للمصلحة الشخصية على الدين والشرع، ونسوا أن ما عند الله خير وأبقى، وآثروا الحياة الدنيا على الآخرة.
أيها العلماء:
كيف سولت لكم أنفسكم وغرتكم حتى أقدمتم على التخلي عن شرع ربكم ونظام دينكم ونهج نبيكم؟ ألم تعلموا لمن السيادة في الإسلام،فرضيتم بأن تكون للشعب بدل أن تكون لله؟ ألم تعلموا كيف كانت دولة نبيكم ﷺ التي أقامها،فرضيتم بهذه الدول المتفرقة؟ ألم تعلموا أن رعاية الشؤون وإصلاح الرعية وحمل دعوة الإسلام هي من واجبات الخليفة؟ كيف سكتم وأنتم تنظرون إلى الناس وهم يموتون جوعاً وجهلاً ومرضاً وفقراً ولم تقوموا إلى الحكام لتأمروهم بأن يهتموا بشؤون رعاياهم؟ أم نسيتم قول نبيكم ﷺ: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)؟ ألم يأمركم شرعكم ودينكم أن تقوموا إلى الحاكم الظالم وتردعوه عن غيه وظلمه؟قال ﷺ: (لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخذنَّ على يد الظالم، ولتأطرنَّه على الحق أطراً، ولتقصرنَّه على الحق قصراً) رواه أبو داود والترمذي.
أم تراكم خفتم من نقمة الحكام عليكم ونسيتم قوله ﷺ: (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) رواه الحاكم. ألم تعلموا (أن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) رواه بن ماجة والنسائي.
أيها العلماء:
إن ما يتكبده المسلمون اليوم من شتات ودمار وجوع وإفقار وضعف، وما يلاقونه من حكامهم أنتم من تسبب فيه، وكان لكم الحظ الأكبر من وزره، لأنكم شاهدتم الظلم وتعطيل أحكام الشرع ولم تصدعوا بكلمة الحق في وجه الطغاة، بل ولم يكفكم ذلك، بل انبريتم تدافعون عنهم وتضفون عليهم الشرعية، وتبررون ظلمهم وتفريقهم المسلمين ضمن دول وحدود سايكس بيكو، وتضفون الشرعية على النظام الديموقراطي وفكرة الحكم للشعب بدلا أن يكون لله، ولويتم أعناق النصوص الشرعية لهواكم وهوى حكامكم. ولكن الرسول ﷺ أعطى فيكم الحكم فقال: (من أتى أبواب السلطان افتتن)، وقال: (إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان).
أيها العلماء:
لقد اختاركم الله سبحانه وتعالى لتحملوا أعظم الأمانات وأكبر المسؤوليات على عاتقكم، ألا وهي نقل العلم والبيان وإرشاد الأمة إلى طريق الحق. أنتم ورثة الأنبياء، الذين حملوا رسالة الله إلى الناس، فمهمتكم عظيمة ومصير الأمة الإسلامية في أيديكم. لذا فإن من واجبكم، بل ومن أعظم مسؤولياتكم، أن تَتصَدّوا للباطل وتُبيّنوا الحق، فأنتم الحصن الحصين ضد الفتن والظلم الذي يحيط بهذه الأمة.
إن الأمة الإسلامية اليوم تواجه أمواجًا من الفتن والضلال والفساد في شتى المجالات، وعلى رأسها غياب دولة الإسلام والتخلي عن الشريعة. وفي هذا السياق، فإن دوركم أيها العلماء في مقاومة الباطل وإرشاد الأمة إلى الحق هو دور أساسي لا يجوز لكم التخاذل فيه. فالأمة تنتظر منكم أن تكونوا أئمة هداية، وأن تتحملوا مسؤوليتكم في مواجهة المنكرات التي تهدد عقيدتها ونظامها وأحكامها.
أيها العلماء:
في هذا الزمن الذي تزداد فيه الفتن والاختلافات والتفرقة والشتات، وتحت وطأة الأنظمة الفاسدة التي تروج للباطل، يجب عليكم أن تكونوا في مقدمة الصفوف للدفاع عن الشريعة والحق. إن مسؤوليتكم عظيمة في هذا الزمان، فيجب أن تكونوا حراسًا للشريعة، وأن تُوجهوا الأمة نحو الحق، وأن تُبصروها بالطرق الشرعية للتغيير. فالأمة تسكت إذا سكت العلماء، ولكن إذا تكلموا وبيّنوا الحق فإن الأمة ستسير خلفهم. أنتم ورثة الأنبياء في توضيح الحقائق، وبيان الشريعة ودحض الباطل، لا يجوز لكم أن تقفوا مكتوفي الأيدي أمام المنكرات التي تهدد الأمة. فكما أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يقيمون الدعوة والعدل في الأرض، فإن علماءنا اليوم هم الذين يجب أن يحملوا الراية في هذا المجال، وعليهم أن يصلوا بالأمة إلى القمة والريادة ويعلموها كيف تميز بين الضلال والهدى.
لقد بيّن الله عز وجل في القرآن الكريم أن العلماء هم الذين يجب أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر وأن يُرشدوا الأمة إلى الحق. وقد أوجب الله سبحانه وتعالى على الأمة الإسلامية التعاون على البر والتقوى، والتصدي للباطل بكل أشكاله، سواء كان فكريًا أوسياسيًا أو اجتماعيًا.
قال الله تعالى: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب جماعي على الأمة، ولكن علماء الأمة هم الذين يقودون هذا الواجب. فأنتم الذين تملكون العلم الشرعي الذي يميز بين المعروف والمنكر، وعليكم أن تكونوا في المقدمة في مقاومة الباطل والفساد الذي يظهر في أنظمة الحكم.
إن مسؤولية العلماء في التصدي للباطل هي مسؤولية دينية لا يجوز التفريط فيها. فأنتم أئمة الأمة وحراس الشريعة. والأمة الإسلامية اليوم في حاجة ماسة إليكم لتبينوا لها الحق وترشدوها،فمن لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم. إن الأمة حتى تُمكّن في الأرض تحتاج أن يعود العلماء إلى دورهم الريادي في قيادة الأمة نحو إقامة الخلافة التي تطبق الشريعة الإسلامية في الداخل وتحملها إلى العالم بالدعوة والجهاد.
أيها العلماء:
لا ترضوا لدينكم أن يكون محصوراً في المساجد والزوايا. ونحن في حزب التحرير ندعوكم من منطلق قوله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}إلى العمل معنا لإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وهي الكفيلة بأن تعيد للإسلام مجده كما كان في سابق عهده، قال تعالى: {هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ}
2025-04-02