إلى أين تقود إدارة ترامب الولايات المتحدة؟ (1)
10 ساعات مضت
المقالات
59 زيارة
عصام الشيخ غانم
لا يمكن فهم المسار الذي ينتهجه الرئيس الحالي دونالد ترامب وتحديد اتجاهه قبل فهم واقع أمريكا اليوم الذي تنطلق منه هذه الإدارة لتثبيت مكانة أمريكا الدولية أو تعظيمها أو وقف انحدارها، وبدون ذلك يصبح الحديث عن توجه الإدارة ضرباً من الفرضيات التي تختلط فيها الحقيقة بالخيال أو الأمنيات، بمعنى الانحراف عن فهم الواقع والسقوط في أخطاء التقدير. فأمريكا هي أمبراطورية العصر بلا منازع وتمتلك طاقات كبيرة لدرجة أن البعض يظنها غير محدودة، ويكفي للإشارة لذلك أن أحد أكبر أغنيائها، هو إيلون ماسك، يمتلك من الثروة وحده ما يزيد عن الإنتاج المحلي الإجمالي لعشرات من دول العالم، وأن إدارة ترامب قامت بعملية عسكرية لساعات قليلة في فنزويلا اعتقلت فيها رئيس البلاد، مادورو، وأرعبت من بعده حتى خضعوا لها فوراً، فأعلن ترامب سيطرته على بلد يمتلك أكبر مخزون من النفط الخام في العالم، وأخذ يعلن تباعاً أخبار شحنات نفط فنزويلا التي ترفد الخزينة الأمريكية، وعليه فإن الاستهانة وسوء التقدير لأركان القوة في الولايات المتحدة يعد بالنسبة للسياسيين والدول طريقاً للانتحار، إلا إذا كان هؤلاء السياسيون وتلك الدول يعرفون جيداً كيفية تقدير أركان قوتهم ووضع السليم منها في مواجهة السقيم من أركان القوة الأمريكية.
كان كل رئيس يأتي لحكم أمريكا يضيف لبنةً جديدة لعظمتها، تلك العظمة التي ظلت تتعالى حتى وصلت قمتها بتفكك الاتحاد السوفييتي، ثم أخذت طريقها نحو الانحدار بعد سقوطها في مستنقع العراق، وذلك أن أمريكا الفتية بعد خروجها من الحرب العالمية الثانية متباهيةً بانتصار عظيم شعاره الأول امتلاكها وحدها الأسلحة النووية التي حسمت بها جبهة اليابان، ودولارها بوصفه عملة عالميةلا أمريكية فقط، مدعوماً بثلثي ذهب العالم الذي تجمّع في خزائن أمريكا بعد الحرب، يضاف إلى كل ذلك اقتصاد متعاظم الإنتاج ولم يصله تدمير الحرب في دولة الخصوبة والثروة التي جمعت نخب أوروبا فيها، أي إنها دولة لم يكن ينقصها شيء من أركان قوة الدول الكبرى، تلك الأركان التي أخذت بالتعاظم بعد ذلك من خلال سباق التسلح الذي قادته أمريكا وضاعف قوتها أضعافاً كثيرة، واقتصاد تعتمد عليه باقي دول العالم، خاصة حلفاؤها الأوروبيون، ذلك الاعتماد الذي أخذ شكل مشروع مارشال في أوروبا، فأعيدَ بناء الاقتصاد الأوروبي بشكل لا ينفك فيه عن الاعتماد على أمريكا.
كانت العقبة الوحيدة أمام اكتمال حلقة الهيمنة الأمريكية حول العالم تتمثل في دولة الاتحاد السوفييتي، تلك العقبة التي انهارت تماماً سنة 1991، عندما قاد الزعيم السوفييتي بلاده ومعسكره شرقي أوروبا نحو انهيار حاول تنظيمه وفشل، وكانت أمريكا تعرف جيداً أن ذلك الانهيار قد حصل تحت وقع الضغط الأمريكي في برنامج ريغان لحرب النجوم، ومع تفكك أوروبا الشرقية عن موسكو أعلن الرئيس الأمريكي بوش الأب من هيلسنكي، عاصمة فنلندا بعد اجتماعه مع غورباتشوف 1990 ولادة نظام دولي جديد، وقام بعد ذلك بحربه على العراق لإخراجه من الكويت، وتفكك الاتحاد السوفييتي بعد ذلك فزالت العقبة السوفييتية من أمام الهيمنة الأمريكية على العالم، وبانهياره وسقوطه من موقع الدولة الثانية، والمنافسة لأمريكا، فقد أصبحت أمريكا قائدة العالم والمهيمنة عليه بلا منازع، فصارت هي الدولة العظمى، وأما الدول الأخر التي دونها فكلها دول كبرى تفصلها مسافات كبيرة عن أركان القوة الأمريكية، سواء العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية.
هيمنت أمريكا على العالم وتفردت بقيادته، وأخذت تبني نظاماً دولياً يعزز أركان قوتها، ومع انهيار الاشتراكية وخلو العالم من المنافس الأيديولوجي للرأسمالية التي تقودها أمريكا تحدث الفيلسوف الأمريكي فوكوياما عن نهاية التاريخ، أي تأبيد الانتصار الأمريكي، وانتهى بذلك الصراع الأيديولوجي من الساحة الدولية، وجعلت أمريكا اتفاقيات نزع السلاح النووي مع روسيا لصالحها واضمحلت القوة العسكرية الروسية التي غاصت في حروب الشيشان وغابت تماماً من الساحة الدولية لما يزيد عن عقدين، وأعلت أمريكا من شأن الاقتصاد الذي تتفوق فيه، ودشنت حقبة من اندماج شركاتها الكبرى لتصبح شركات عملاقة غير قابلة للمنافسة، وأطلقتها حول العالم تنهب منه الأموال في عصر جديد من العولمة التي أرست أمريكا أسسها،من فكرة حرية التجارة وكسر الحواجز الجمركية، وأنشأت لها توابعها الدولية، منها منظمة التجارة الدولية سنة 1995، وكانت السياسة الأمريكية ترمي لتأبيد هيمنتها وسيطرتها على العالم وفق نظرية فوكوياما.
وخلال ما يزيد عن ثلاثة عقود سبقت إدارة ترامب فإن السياسة الأمريكية قد واجهت مشكلات دولية كبيرة، من غرقها في المستنقع العراقي والأفغاني وحربها على الإسلام الذي أسموه إرهاباً، وبروز كوريا الشمالية قوةً نوويةً جديدة، وعودة المطالبات الروسية بتعدد الأقطاب الدولية بعد تعافي روسيا نسبياً وتسلم بوتين زمام القيادة في روسيا، وتفلت بلدان أمريكا اللاتينية من النفوذ الأمريكي، واهتزاز النفوذ الأمريكي في المنطقة العربية على وقع ثورات الربيع العربي، خاصة في سوريا التي استهلكت جهود إدارة أوباما الأولى وشيبت شعره، وليس آخراً الحرب الروسية في أوكرانيا سنة 2022، وأما في الاقتصاد فقد كان صعود الصين ورحيل الشركات الأمريكية إليها معضلة كبرى للاقتصاد الأمريكي وفاقت في خطورتها المنافسة الاقتصادية مع أوروبا، تلك المنافسة التي صار إصدار اليورو في أوروبا شعاراً لها.
ظلت أمريكا طوال هذه العقود الثلاثة تتقلب بين التفوق والهيمنة في كل المجالات على الساحة الدولية، ولكنها صارت تتكبد خسائر هائلة كشفت حدود قدرتها بشكل خطير، وقد حققت أمريكا الكثير من الإنجازات خلال هذه العقود تمثل أكبرها في ضرب استقلال الدول الأوروبية وإخراجها من طريق المنافسة الدولية الفعالة، حتى انكشفت دول أوروبا أمام الغزو الروسي لأوكرانيا بواقع جديد، وهو خوار عسكري عميق يهدد وجودها إن رفعت عنها المظلة الأمريكية، الأمر الذي اضطرها خلال حقبة الرئيس بايدن إلى إنهاء سياساتها المستقلة تجاه الصين وعودتها للانتظام في المقطورة الأمريكية لقاء دفاع أمريكا عنها في مواجهة روسيا التي أخذت تقضم من طرفها الشرقي، وكذلك أخرجت أمريكا اليورو من منافسة الدولار والذي أضحى منافساً صغيراً، وربطت دول أوروبا بموارد الطاقة الأمريكية، خاصة الغاز بعد قطع شرايين الطاقة الروسية عن أوروبا. ورغم كل ذلك فإن أمريكا التي بلغت مديونيتها سنة 1990 ثلاثة ترليونات دولار قد تعاظمت مديونيتها اليوم بشكل خطير وقاربت ال 40 ترليون دولار اليوم، وتواجه أمريكا اليوم الاقتصاد الصيني بصفته أكبر تهديد لعظمتها الاقتصادية، وتسعى بكل طاقاتها لإبعاده عن المنافسة، ولكن هذا الاقتصاد الصيني ظل ينمو بشكل كبير وخرجت الصين للعالم باستثماراتها الكبيرة مهددةً الهيمنة الأمريكية.
حملت المعضلة الصينية أمريكا إلى تصفية حربها على الإسلام، وأخذت تنسحب من العراق وأفغانستان وأخيراً سوريا، دون أن تكون قد حققت نتائج معتبرة، فقد غزت أفغانستان لحرب تنظيم القاعدة واحتلتها، وغزت العراق سنة 2003 ليسهم نفط العراق في إنعاش الاقتصاد الأمريكي، ففوجئت بعشرات التنظيمات الإسلامية تحاربها في العراق، ولولا مساعدة إيران لها ضد الثورة العراقية لتكسرت أجنحة أمريكا في العراق، ومضت سنوات أنفقت فيها أمريكا ترليونات من دولاراتها قبل أن تستطيع استغلال نفط العراق، وفي أفغانستان انسحبت سنة 2021 انسحاباً مذلاً أعاد حركة طالبان التي حاربتها للسلطة، وفي سوريا التي برزت فيها مئات التنظيمات الإسلامية التي رفعت شعار الخلافة لم تجد لها أمريكا حلاً إلا الانسحاب وتنصيب أحمد الشرع رئيساً بعد الاتفاق معه.
ربما كانت الحرب الأمريكية على الإسلام بذريعة “الإرهاب”التي دشنتها سنة 2001 من باب بحث أمريكا عن مبرر دولي لسياساتها الدولية بعد سقوط الاشتراكية، ولكنها على أي حال وجدت الإسلام خطراً أيديولوجياً شديداً يهدد في أي لحظة بتحوله لخطر سياسي دولي، لا سيما بعد أحداث “الربيع العربي”، ولذلك أخذت أمريكا تعاني من معضلتين لا يقل خطر أحدهما عن الآخر في سياستها الدولية؛ الصين والإسلام. وإذا كان الخطر الصيني يتمثل في الاقتصاد بالدرجة الأساسية فإن خطر الإسلام يمثل خطراً شاملاً وجباراً، ولذلك لم تتمكن أمريكا من التفرغ للصين وترك خطر الإسلام، وأصبحت توزع قواها بين مكافحة الصعود الصيني ومنع الإسلام من الحكم، ومن ذلك دعم كيان يهود بشكل أكثر عمقاً وتنفيذ سياسة “الكلب المسعور”، ذلك الكلب الذي أخذ يتحرك مسعوراً في حرب إفناء غزة وتدمير سلاح سوريا وتدمير لبنان وبرنامج إيران النووي في محاولة أمريكية للجم المنطقة الإسلامية وإزالة مخاطرها.
وإذا كان صعود الصين ومخاطر صعود الإسلام هما القضيتين العظميين اللتين تواجهان أمريكا دولياً فإن هناك قضايا دولية أقل درجةً ترهق أمريكا أيضاً، مثل نووي كوريا الشمالية، ومطالبات روسيا بتعدد الأقطاب التي نتجت منها الحرب الأوكرانية، وتفلت نفوذ أمريكا في نصفها الغربي. وبالمجمل وجدت أمريكا أن قبضتها على العالم ترتخي، وأن هيمنتها الدولية قد فقدت ولم تعد موجودة، بل إن تفوقها قد أصبح محل خطر، خاصةً أن اقتصاد الصين يقترب منها، وشركات الصين الكبرى تنافس شركات أمريكا العملاقة، بل إن شركات الصين أخذت تنتزع التفوق في بعض القطاعات مثل صناعة الطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية والمعادن النادرة.
ومن مظاهر فقدان الهيمنة الأمريكية أن الصناعة في معظمها قد غادرت أمريكا وانتقلت إلى الصين، ولما أراد الرئيس ترامب في ولايته الأولى الضغط على الصين من طريق الرسوم الجمركية وجاءت جائحة كورونا تبين له أن أمريكا قد غدت تعتمد على السلع الصينية اعتماداً يجعل سوقها تابعة للتصنيع الصيني، ولا يمكن لأمريكا أن تسد حاجات سوقها في المدى القريب. ولما أفرغت حرب أوكرانيا مخازن أمريكا من بعض أنواع السلاح، من مثل صواريخ جافلين التي أوقفت أمريكا تصنيعها منذ مدة معتمدةً على مخازنها صارت تبحث عن قدامى الخبراء المتقاعدين في هذا الجانب لمحاولة إعادة تصنيع هذا الصنف من السلاح. وفي وقت كانت فيه أمريكا تضبط إيقاع القروض في العالم عبر صندوق النقد والبنك الدوليين فتتحكم باقتصادات الدول الضعيفة أخذت الصين تنافسها بنجاح في القروض،فقد أسست البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وأطلقت مشروعها الشهير “طريق الحرير”باستثمارات هائلة تغرق بها الدول، ما يهدد بجرها للتبعية للاقتصاد الصيني، فيما لا تملك أمريكا فائضاً من الأموال لمشروع مماثل، ووصلت الاستثمارات الصينية الكبرى قناة بنما وأوروبا، بل وأمريكا فضلاً عن إغراقها إفريقية وآسيا بالاستثمارات من الوزن الثقيل،منها بناء الموانئ وسكك الحديد والمصانع وخطوط أنابيب الطاقة.
وعسكرياً تحدت روسيا الغرب في حربها على أوكرانيا، الأمر الذي أرهق مالية أمريكا ومخازن سلاحها، وفرضت أمريكا عقوبات قاسية شاملة على روسيا، ومن ضمنها حرمانها من تصدير النفط، فاعتمدت روسيا على ما أطلق عليه “أسطول الظل”ليستمر تدفق المال للخزانة الروسية فتستمر به في تغذية حربها على أوكرانيا. وإذا كانت أمريكا تشعر بقدرتها على ضبط الأسلحة النووية وانتشارها في العالم فإن كوريا الشمالية قد استغلت غرق أمريكا في مستنقعي العراق وأفغانستان وسجلت نفسها عضواً جديداً في النادي النووي، واضطرت أمريكا لوقف اتفاقياتها مع روسيا للحد من الأسلحة النووية لأنها باتت غير مجدية أمام اندفاع الصين لتطوير شامل لقوتها النووية، أي إن أمريكا وجدت أنه لا جدوى من ضبط روسيا في وقت تنفلت فيه الصين في تصنيع المزيد من الأسلحة النووية. وإذا كان تملص روسيا من العقوبات الأمريكية باستخدام “أسطول الظل”لتصدير النفط أشبه بلعبة الفأر مع القط وتملصه منه فإن إغلاق إيران لمضيق هرمز في الحرب الأخيرة هو تحدٍ شديد وعلني لقدرات أمريكا العسكرية وهيمنة بحريتها على المضائق الدولية، ويقترب من لعبة القط والقط، رغم قوة القط الأمريكي. وأما الاستثمارات الصينية حول العالم فإنها لعبة القط الصيني السمين مع القط الأمريكي. وبالمجمل فإن أمريكا فقدت هيمنتها على العالم بوجود الكثير من الدول التي انتقلت إليها القوة جزئياً أو كلياً أو بالميراث فصارت تقف على قدميها وتعارض أمريكا وتتحداها،منها إيران وكوريا الشمالية والصين وروسيا. وإذا كانت الهيمنة أعلى بكثير من التفوق للمسافة الكبيرة التي تفصل المهيمن عن خصومه فإن أمريكا تكافح اليوم للحفاظ على تفوقها، وليست بقادرة على ذلك دائماً في جميع الأحوال.
وقفت أمريكا تفكر في الطريقة التي يمكنها بها الحفاظ على مكانتها الدولية قبل أن تدفعها الأحداث والحروب القائمة وقتها وما يرافق ذلك من النفقات الهائلة التي تتكبدها والديون الفلكية التي تثقل كاهلها وفراغ مخزونها من الذخيرة العسكرية. وهنا وعلى مدار أكثر من عقد اختلفت أمريكا حول مسارها وانقسمت حول أولويات سياستها، فالرئيس ترامب جاء في ولايته الأولى وانسحب من اتفاقية المناخ، ثم جاء بايدن رئيساً ديمقراطياً وأعاد أمريكا للاتفاقية، ثم عاد ترامب رئيساً من جديد وسحب أمريكا من الاتفاقية، وهكذا بخصوص سياسة أمريكا مع حلفائها الأوروبيين داخل الناتو وفي المنطقة الإسلامية، وصدق فيهم قوله تعالى:﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾. وأخذ هذا الانقسام يلف الحياة السياسية في أمريكا،أبرزها سياسات الهجرة والعنصرية ضد السود وظهور جماعات العرق الأبيض بشكل متطرف واقتحام الكونغرس، وعدم الاعتراف بنتيجة الانتخابات الرئاسية، وهكذا أضيف الانقسام الأمريكي معضلة جديدة في المعضلات الكبرى التي تواجه أمريكا، ورغم كونها معضلة داخلية فإن أثرها شديد في مستقبل الدولة الأمريكية وصورتها الدولية وسياستها الخارجية.
عاد الرئيس الأمريكي ترامب للحكم أوائل 2025 وأمامه ما لا يعد ولا يحصى من المشكلات الكبرى التي يجب الإسراع في حلها، ويمكن وصف تلك المشكلات وتصوره للحلول على النحو التالي:
أولاً: وجد ترامب أن الحرب الأوكرانية قد نقلت الاهتمام الأمريكي من الصين إلى روسيا، وأن الانخراط الأمريكي في مستلزمات الحرب يعمل على إفراغ مخازن أمريكا من السلاح وخزائنها من المال، ويهدد باحتمال انخراطها المباشر في حرب روسيا، ويبعدها عن مسار مكافحة الصعود الصيني، ولكنه وجد فيها فرصة لفصل روسيا عن الصين وإرهاق أوروبا مالياً.
ثانياً: وجد ترامب كذلك أن حرب كيان يهود في غزة تعاظم من المخاطر الإسلامية في المنطقة، ولكنه مضطر لاستمرار الانخراط في إكمالها وإتمامها بما يشمل ساحات لبنان وسوريا والعراق وإيران على أمل أن تنجح سياسة “الكلب المسعور”التي يود ترك المنطقة فيها فريسةً سهلة لكيان يهود.
ثالثاً: استمرار صعود الصين، فأخذ يهاجم الصين وباقي دول العالم بسياساته الحمائية ويفرض رسوماً جمركية يمنةً ويسرةً ويعلن نواياه بإعادة عجلة الصناعة لأمريكا.
رابعاً: مهاجمة الديمقراطيين واليسار الأمريكي وإطلاق سياسات قاسية ضد المهاجرين، وتأسيس “هيئة الكفاءة الحكومية”لتنظيف أجهزة الدولة من الديمقراطيين والمناهضين لسياساته، وكذلك تنظيف البنتاغون والجيش من الجنرالات المعارضين لسياساته.
هذه هي المشاكل الكبرى التي تعاني منها أمريكا وتجهد نفسها لحلها. وبالتدقيق نجد أن المعضلة الأمريكية أعمق بكثير من هذه المشكلات، فلو كانت الدولة والأمة في أمريكا بصحة جيدة لتوفرت لها فرص جيدة لحل هذه المشكلات الدولية والحفاظ على مكانتها حول العالم، ولكن الدولة في أمريكا ومعها الأمة سقيمان، ولا يملكان من الصحة ما يؤهلهما لتوفير موارد القوة حتى تنطلق الدولة لتزيل عن مكانتها تلك الكوابيس الدولية.
فإذا كان الاقتصاد السوفييتي قد فشل في توفير الموارد للوقوف أمام سباق التسلح – وآخره برنامج أمريكا “حرب النجوم”فرأت روسيا طريقها للنجاة بإصلاحات غورباتشوف، تلك الطريق التي ظلت تجرها نحو القاع- فإن أمريكا اليوم تقف أمام معضلة قريبة من تلك السوفييتية.
دفعت الدولة في أمريكا من إيراداتها الحكومية البالغة 5 ترليون دولار سنة 2025 ما يزيد عن ترليون دولار خدمةً لديونها (الربا) التي زادت على 38 ترليون دولار، ودفعت 1.6 ترليون دولار للمتقاعدين ضمن برامج الضمان الاجتماعي، ودفعت قرابة 2 ترليون دولار لبرامج التأمينات الصحية، ودفعت قرابة ترليون دولار نفقاتٍ دفاعية “ميزانية البنتاغون”، وقامت بتغطية باقي مصروفات الحكومة، فوجدت نفسها تستدين من جديد 1.8 ترليون دولار، وهذا كله عام 2025. ومع زيادة الدين سنوياً تزداد فوائده الربوية، وهذه الحال أسماها جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق، بالخطر الشديد على الأمن القومي.
وحتى تتدارك أمريكا نفسها فإنه لا بد لها من زيادة مواردها، وهذا ممكن من طريق زيادة الضرائب، لكن اقتصادات الدول حساسة للغاية من حيث زيادة الضرائب، بحيث إذا زادت أمريكا الضرائب على شركاتها هربت تلك الشركات إلى الخارج، نحو الصين مثلاً، ولأن أمريكا دولة رأسمالية فإن السياسيين فيها يعملون لخدمة رأسمالييها، وهؤلاء الرأسماليون يريدون تخفيف الضرائب، ولهم في أمريكا لوبيات متعددة للتأثير على صناع القرار من رئيس الكونغرس وأعضائه، ولهم نفوذ على الحكومة،من ذلك تعيين الرئيس ترامب أكبر رأسماليي أمريكا إيلون ماسك ومالك شركة “تسلا”للسيارات الكهربائية وشركة سبيس إكس للصواريخ والمركبات الفضائية ومالك أقمار صناعية لتشغيل شبكة ستار لينك للأنترنت على رأس هيئة الكفاءة الحكومية، ومن ضمن إنجازاته في هذا المنصب إبعاد مديرين كبار في البنتاغون من وظائفهم وتعيين تابعين له، لتسهيل عقوده الكبيرة بالمليارات مع البنتاغون. وبعد مرور عام على هذا التعيين طالب إيلون ماسك بمضاعفة ثمن خدمات شبكة ستار لينك التي تمد الجيش الأمريكي المحارب مع إيران بالمعلومات، وكانت هذه المضاعفة تمثل خمسة أضعاف الثمن المتفق عليه قبل الحرب. واليوم طرح إيلون ماسك شركة سبيس إكس للاكتتاب لجني ثمانين مليار دولار دفعة واحدة، ناهيك عن مطالبه بتخفيف ضرائب السيارات الكهربائية من طريق إنهاء برامج حكومية لدعم شركات منافسة،منها شركة فورد لتصنيع السيارات. وفي النتيجة تتحدث وسائل الإعلام اليوم عن الإعلان عن إيلون ماسك كأول تريليونير في الدنيا، أي بملكية ألف مليار دولار.
وهذه القصة ليست إلا واحدة من قصص يومية وكثيرة ينهب بها رأسماليو أمريكا موارد الدولة، بل وتسهل لهم القوانين نهب الشعب الأمريكي. وفي المجمل فإن ضرائب الشركات الأمريكية العملاقة تقل فتضعف مع قلتها إيرادات الحكومة، ولا يمكن لأي رئيس أمريكي أن يعكس هذا الاتجاه بشكل كلي، فقد يأتي رئيس يعمل لصالح شركات معينة ويترك أُخَرَ لاعتبارات كثيرة، منها الانقسام الأمريكي، كسياسة الرئيس الديمقراطي بايدن التي خدمت شركات التكنولوجيا نصيرة الديمقراطيين، وضيقت على شركات الطاقة الموالية للجمهوريين. وهذا وإن زاد طينة الانقسام بلةً في أمريكا فإن انقلاب المعادلة من دولة تخدم الشركات إلى شركات تخدم الدولة تعدّ من مستحيلات النظام السياسي الأمريكي، نظراً للنفوذ الواسع للرأسماليين في أمريكا واعتماد السياسيين وأحزابهم على تمويل هذه الشركات للانتخابات وللنجاح. وبالمجمل فإن الإيرادات الضريبية من الشركات الكبرى في أمريكا تقل، فبعد أن كانت تشكل سنة 2015 11% من مجموع الإيرادات وصلت إلى 6% سنة 2020، وإذا كانت هذه النسبة قد زادت بقدر ما بعد سنة 2020 فإن هذا لم يكن ناتجاً من زيادة معدلات الضريبة للشركات، وإنما بسبب التضخم الهائل لرساميل شركات التكنولوجيا، أي الزيادة في تمكينها من نهب الشعب الأمريكي ونهب العالم. فمثلاً إيلون ماسك المذكور آنفاً قد تعاظمت ثروته من 13 مليار دولار سنة 2015 إلى 170 مليار دولار سنة 2020 إلى قبل أسابيع حيث قدرت ب 800 مليار دولار، قبل أن تصبح بعدها بأيام ترليون دولار، وقد جمع معظمها من عقود حكومية (ضرائب الأمريكيين) وأرباح هائلة من شركاته داخل أمريكا وحول العالم ومن ارتفاع أسهم تلك الشركات.
ومن الأمثلة الأخرى على سيطرة الشركات على الدولة أن شركات السلاح فضلاً عن عقود السلاح الذي تورده لوزارة الحرب الأمريكية “البنتاغون”فإنها تدفع بالدولة نحو إشعال الحروب حول العالم، حتى تزداد الحاجة لسلاحها فتتعاظم أرباحها، ومن الأمور المهمة التي يجب ملاحظتها في نهب شركات السلاح للدولة أن السلاح الذي تبيعه هذه الشركات هو دائماً من النوع باهظ الثمن، حتى قيل إنه يطلق أحيانا صاروخ اعتراضي بقيمة مليون دولار لإسقاط صاروخ بدائي بقيمة ألف دولار. وإجمالاً فإن ثمن المعدات العسكرية التي يستخدمها الجيش الأمريكي وأجور خدمات الصيانة التي تقدمها الشركات للطائرات والدبابات وغيرها من الأسلحة تفوق مثيلاتها حول العالم بأضعاف، وليس الأمر بالضرورة لأنها متفوقة على غيرها كما يروج الأمريكيون لذلك، بل لأن شركات السلاح تعمل باستمرار وبطرق ملتوية على مضاعفة أرباحها في عقودها مع البنتاغون، ولها في البنتاغون رجال في مناصب حساسة يدفعون الدولة باستمرار باتجاه القبول بهذه الأثمان العالية للصناعة الحربية. فمثلاً أبلت الطائرات الصينية التي استخدمها الجيش الباكستاني بلاءً حسناً ضد الطائرات الهندية سنة 2025، وثمنها أقل كثيرا من نظيراتها الأمريكية، وكل الدعاية التي تروجها أمريكا عن جودة سلاحها وفعاليته لا تتناسب مع الثمن المرتفع للغاية لهذه الأسلحة، فالسلاح الروسي الرخيص يقابل بجدارة سلاح أوكرانيا الأمريكي باهظ الثمن، وهكذا باقي الشركات الكبرى الأمريكية التي تعتمد على العقود الحكومية، ومنها شركات الدواء الكبرى كالأخوين “كوخ”التي تنتعش وتتعاظم أرباحها من البرامج الحكومية كالتأمين الصحي.
وهناك وجوه أخرى لمعضلة النظام الرأسمالي الأمريكي، فنجاح الشركات والأرباح المتعاظمة في العقود الثلاثة الأخيرة قد تركز على قطاع التكنولوجيا، فضلاً عن أسواق الأسهم، وأشهرها وول ستريت وقطاع التجارة المالية عموماً. وهذا قد أوجد فكرة جديدة مناهضة للتصنيع تهيمن على عقول الأمريكيين، خاصةً الشباب منهم الذين لا يرغبون بالعمل في أي قطاع يتطلب عملاً شاقاً ويحلمون بالثراء السريع. فأرباح الصناعة تكون بطيئة في العادة، وأما أرباح الأسهم فقد تنقل الشاب من الفقر إلى الثراء بسرعة، بمعنى أن الأمريكيين يعزفون عن الصناعة ويتأففون من متاعبها ويحلمون بالربح السريع، وهذه الفكرة تؤكد بأن اضمحلال أمريكا اليوم قد زرعته بذور الرخاء المفرط في المجتمع، وباتت هذه الفكرة ورفض العمل الخشن تشكل اليوم معضلةً وعائقاً أمام إعادة التصنيع لأمريكا والاستغناء عن الصين. ومن بذور الرخاء المفرط التزامات الحكومة الأمريكية بالضمان الاجتماعي والصحة تجاه مواطنيها، حتى أصبحت مع التكاليف العسكرية (موازنة البنتاغون) تستهلك 80% من إيرادات أمريكا المالية.
ومن الوجوه الأخرى للمعضلة، التضخم الذي لا يتوقف، وهذا التضخم في أمريكا نابع من سببين:
السبب الأول: الربا، فمعظم المشاريع الاستثمارية في أمريكا تعتمد على القروض، والبنوك تمنح المال بالربا، فيكون من وظيفة المنتج الأمريكي أن ينشئ سلعة أو خدمة يرتفع سعرها سنوياً من حيث المبدأ بقدر الربا الذي يدفعه للبنك الذي أقرضه، وهذا الربا هو ما يفسر أن الدولة في أمريكا ترى مهمتها في ضبط التضخم عند 2%.
السبب الثاني: السياسات النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من حيث رفع سعر الفائدة (الربا) أو خفضه، وكذلك مسألة استحداث دولارات جديدة عبر أرصدة إلكترونية أو دولارات ورقية تطبعها وزارة الخزانة بعد استحداثها من الاحتياطي الفيدرالي، وكلما استحدثت دولارات جديدة أو خفضت الفائدة في الاحتياطي الفيدرالي انخفضت قيمة الدولار أمام السلع والخدمات فترتفع أسعارها. وهذا البنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأمريكي هو ليس جهة حكومية، بل هو جهة هجينة ترى البنوك الخاصة أعضاء في البنوك الفيدرالية الإقليمية التي تشكل الاحتياطي المركزي الذي تعين الحكومة مجلس المحافظين فيه، أي إن أرباحه عند الإقراض تعود إلى البنوك الخاصة التجارية ووزارة الخزانة، أي للقطاع الخاص والحكومة في آنٍ واحد.
وهذه المعضلة الأمريكية هي جوهر فساد النظام الرأسمالي، فالقطاع الخاص له شأن كبير، وإن بشكل غير مباشر، في إصدار الدولارات الجديدة من طريق البنك المركزي الفيدرالي، وهذا لا يكون فقط لصالح الدولة، بل لصالح هؤلاء الرأسماليين أيضاً الذين يعبثون بقيمة العملة وسوق السندات الحكومية وأسعار الفائدة. وفي المحصلة فإن الرأسماليين في أمريكا ينهشون الدولة بشكل قانوني، وحيث لا يتوفر له قانون يستحدثون هذا القانون من طريق لوبياتهم الضاغطة على الكونغرس، وينهشون الشعب الأمريكي عبر الربا وعبر العقود الحكومية وعبر الكثير من التسهيلات الأخرى، وكذلك ينهشون العالم بأسره، ونتيجةً لهذا النهش تتعاظم ثروات الرأسماليين، فيما الموارد المتوفرة أمام الحكومة لتوظيفها دولياً في سياسات الدولة وحروبها تقل باستمرار. يتبع …
1448-01-17