حين تُنزع الحصانة عن العمق الروسي، حرب المسيّرات، استنزاف القوة، وحدود الردع النووي في أوكرانيا
10 ساعات مضت
كلمات الأعداد
49 زيارة
ثائر سلامة، أبو مالك
لم يكن الدخان الذي ظهر قرب منشآت الطاقة في محيط سانت بطرسبرغ، في الأيام التي انعقد فيها المنتدى الاقتصادي الدولي الروسي، مجرد خلفية عارضة لحدث اقتصادي كبير؛ بل كان مشهدًا كثيف الدلالة على طبيعة الحرب التي دخلتها روسيا بعد أكثر من أربع سنوات من غزو أوكرانيا. فالمدينة التي اختارها الكرملين لتكون واجهته الاقتصادية الدولية، وفضاءه الذي يستعيد فيه صورة الدولة الكبرى القادرة على جمع المستثمرين والشركاء والوفود، وجدت نفسها تحت ظلال الطائرات المسيّرة والإنذارات وتعطيل الحركة الجوية والتأهب الأمني.
والأمر لا يتصل بسانت بطرسبرغ وحدها. فالهجمات الأوكرانية المتتابعة على المصافي والموانئ ومخازن الوقود والقواعد الجوية والمنشآت اللوجستية في العمق الروسي، بما في ذلك محيط موسكو، تدل على تحول إستراتيجي مهم: لم تعد الحرب محصورة في خطوط التماس داخل أوكرانيا، ولا في القرم أو الأقاليم الحدودية؛ بل انتقلت إلى قلب المجال الذي كانت روسيا تعدّه تاريخيًا بمنأى عن تكلفة الحرب المباشرة.
هذه الحقيقة لا تعني أن روسيا انهارت، ولا أنها فقدت قدرتها على القتال أو الردع أو الإضرار بخصومها، فهي ما زالت دولة نووية كبرى، وتملك جيشًا ضخمًا، وصناعة عسكرية واسعة، وموارد طبيعية هائلة، وقدرة على حشد الرجال والعتاد. لكن الحرب كشفت حدودًا عميقة في ترجمة هذه العناصر إلى قدرة حسم تقليدي سريع، وإلى حماية شاملة للداخل، وإلى اقتصاد قادر على تمويل حرب طويلة من غير أن يدفع ثمناً متصاعدًا في الإنتاج والاستثمار والعمالة ومستقبل التنمية.
وهكذا فإن القضية ليست: هل تستطيع روسيا الاستمرار؟ فهي تستطيع، على الأقل في المدى المنظور، بل القضية الأهم هي: بأي كلفة؟ وما الذي تخسره روسيا كلما طال أمد الحرب؟ وهل ما تزال أدوات قوتها قادرة على تحويل التقدم البطيء في الميدان إلى نصر سياسي وإستراتيجي واضح؟ أم هي تدخل طورًا جديدًا من حرب الاستنزاف، تملك فيه القدرة على الإيذاء، ولكنها تعجز عن فرض نهاية حاسمة؟
إن الضربات الأوكرانية الأخيرة ليست جوابًا كاملًا على هذه الأسئلة، لكنها تفتح نافذة لفهم التحول الأعمق: روسيا التي شنت الحرب وهي تتوقع إخضاع أوكرانيا في فترة وجيزة، تواجه اليوم خصمًا قادرًا على إطالة الحرب، وإيصالها إلى الداخل الروسي، وإجبارها على توزيع مواردها بين الجبهة، والدفاع الجوي، وحماية الطاقة، وحماية المدن الكبرى، وإدامة الاقتصاد الحربي.
من حرب الجبهة إلى حرب العمق
في الحروب التقليدية القديمة كانت الجبهة هي مكان الحسم الأساسي: جيش يتقدم، وآخر ينسحب، ومدن تسقط، وممرات لوجستية تتغير. أما في الحرب الروسية الأوكرانية فقد أصبحت الجبهة واسعة ومتشابكة، تمتد من الخنادق والتحصينات وحقول الألغام إلى شبكات الكهرباء والمصافي والمطارات ومصانع الذخيرة وموانئ التصدير وأنظمة الاتصالات.
ولهذا لا ينبغي النظر إلى الضربات الأوكرانية على الداخل الروسي بوصفها مجرد عمليات انتقامية أو دعائية. إنها جزء من منطق إستراتيجي متكامل يهدف إلى نقل كلفة الحرب إلى الجهة التي بدأت الغزو. فإذا كانت روسيا تستخدم صواريخها ومسيراتها لضرب المدن الأوكرانية ومرافق الطاقة فيها، فإن أوكرانيا تحاول أن تبني قدرة مقابلة، ولو كانت أقل حجمًا، تستهدف الموارد التي تمول الحرب الروسية وتدعمها: النفط، والوقود، والتكرير، والسكك، والمطارات، والقواعد الجوية، ومخازن الذخيرة.
وهنا تكمن دلالة استهداف المصافي. فالمصفاة ليست منشأة اقتصادية فحسب؛ هي عقدة عسكرية واقتصادية ومجتمعية في وقت واحد. منها يأتي وقود المركبات العسكرية والطيران والنقل، ومنها تصدر منتجات تمثل جزءًا من العائدات النقدية للدولة، ومنها تتغذى السوق الداخلية التي يحتاج استقرارها إلى وفرة البنزين والديزل والأسعار المقبولة. ولذلك فإن إصابة المصفاة لا تعني فقط تدمير منشأة أو إشعال حريق، بل تعني فرض تكاليف إضافية على الدفاع والإصلاح والإمداد والتأمين.
والنجاح في هذه الحرب لا يقاس دائمًا بحجم الدمار الظاهر. فقد تكون الضربة مؤثرة حتى لو أُصلح الضرر خلال أسابيع، لأن تكرار الضربات يفرض على الدولة إعادة توزيع دفاعاتها الجوية، وتغيير خطط الإنتاج، وتخزين احتياطيات أكبر، وتحويل مسارات النقل، وإبقاء آلاف الأفراد والبطاريات والمنظومات في وضع دفاعي دائم، وفي حرب استنزاف طويلة، هذه التكاليف لا تقل أهمية عن تدمير السلاح نفسه.
إن المشكلة الروسية في هذا المجال ليست قلة الوسائل الدفاعية فحسب؛ فروسيا تملك منظومات دفاع جوي كثيفة ومتقدمة، ومنها عائلات S-300 وS-400وبانتسير وغيرها. لكن اتساع المساحة الروسية، وكثرة المنشآت الحيوية، وتعدد طرق الهجوم، وانخفاض سعر المسيّرات مقارنة بكلفة اعتراضها، يجعل الدفاع الكامل مهمة شبه مستحيلة. فكل منشأة تحمى تعني منشأة أخرى أقل حماية، وكل بطارية تنقل إلى محيط موسكو أو مصفاة أو مطار إستراتيجي، تقل قدرتها على حماية الجبهة أو القوات المتقدمة.
وهذا هو أحد المعاني الكبرى لتحول حرب المسيّرات: تحوّل التفوق العسكري اليومعن كونه امتلاك منصات كبيرة وقليلة العدد فقط، كالقاذفات والدبابات والسفن؛ بل أصبح يعني أيضًا القدرة على إنتاج آلاف الوسائط الرخيصة، وتوجيهها بدقة، وربطها بالاستخبارات والاستطلاع، وإجبار الخصم على إنفاق صواريخ باهظة أو نشر دفاعات معقدة في مواجهة تهديدات صغيرة ومتكررة.
الثالوث النووي الروسي: قوة ردع لا آلة حسم ميداني
من أخطر الأخطاء في قراءة الحرب الخلط بين القوة النووية والقوة التقليدية. فروسيا تملك إحدى أكبر الترسانات النووية في العالم، وهذا يمنحها وزنًا إستراتيجيًا هائلًا في العلاقات الدولية، لكنه لا يجعل جيشها قادرًا تلقائيًا على حسم حرب تقليدية طويلة.
يقوم الثالوث النووي الروسي على ثلاثة أذرع رئيسة:
الأول هو الذراع البري: الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، المركوزة في صوامع تحت الأرض أو على منصات متحركة. وهذه تمثل قوة الردع الأسرع والأشد رسوخًا، لأنها قادرة على إطلاق رؤوس نووية إلى مسافات عابرة للقارات خلال وقت قصير.
والثاني هو الذراع البحري: الغواصات النووية الحاملة للصواريخ الباليستية. وهذه هي الضمانة الأهم للقدرة على الرد بعد التعرض لضربة أولى، لأن الغواصة التي تكون في البحر يصعب العثور عليها أو تدميرها. ولذلك تعدّ القوة البحرية الإستراتيجية في كل الدول النووية الكبرى عنصرًا أساسيًا في ضمان “الضربة الثانية”، أي القدرة على الرد النووي حتى بعد تعرض الدولة لهجوم بالغ الخطورة.
أما الذراع الثالث فهو الذراع الجوي: القاذفات الإستراتيجية بعيدة المدى، وفي مقدمتها Tu-95MS وTu-160. وهذه القاذفات لا تقتصر أهميتها على حمل السلاح النووي؛ بل يمكنها إطلاق صواريخ كروز تقليدية بعيدة المدى، وقد استخدمت روسيا هذا النوع من المنصات في الحرب على أوكرانيا.
المغزى من هذا الثالوث أن الخصم لا يستطيع، في الظروف الطبيعية، تدمير قدرة روسيا النووية دفعة واحدة. فإذا تعرضت قواعد القاذفات للتهديد، بقيت الصواريخ البرية والغواصات. وإذا تعرّضت بعض الصوامع للخطر، بقيت الغواصات والقاذفات. ولهذا تبقى روسيا قوة ردع نووي كبرى، ولا يصح الاستهانة بهذا الجانب أو تصويره على أنه فقد قيمته.
لكن هذه القوة لها وظيفة مختلفة عن وظيفة الجيش التقليدي. السلاح النووي معدّ أساسًا لمنع هزيمة وجودية، أو لمنع تدخل عسكري مباشر واسع من دولة كبرى أو تحالف عسكري كبير. أما في حرب مثل أوكرانيا، حيث تقاتل روسيا دولة مجاورة مدعومة بالسلاح والمال والاستخبارات من دول غربية ولكن من دون دخول جيوش الناتو مباشرة إلى الميدان، فإن استخدام السلاح النووي يظل خيارًا بالغ الخطورة والكلفة.
فاستعماله لن يفتح طريقًا عبر حقل ألغام، ولن يعالج نقص الضباط والجنود، ولن يجعل الدبابة القديمة حديثة، ولن يصلح المصانع المتضررة، ولن يوقف المسيّرات، ولن يضمن استسلام أوكرانيا. بل قد يدفع إلى ردود دولية قاسية وغير متوقعة، ويزيد عزلة روسيا، ويحوّل أزمة الحرب من صراع إقليمي إلى خطر عالمي واسع.
لهذا فإن الثالوث النووي يمنح روسيا مظلة ردع إستراتيجية قوية، لكنه لا يعوض تلقائيًا من مشكلات الحرب التقليدية الطويلة. والواقع أن التطوير النووي الروسي نفسه يحمل مفارقة مهمة: فموسكو تسعى إلى تحديث قاذفاتها وصواريخها وغواصاتها، لكنها تواجه تأخرًا في بعض البرامج، وضغوطًا صناعية وتقنية، ومشكلات مرتبطة بقدرة الصناعة على تنفيذ مشاريع ضخمة متعددة في الوقت نفسه.
“البجعة البيضاء”: ما هي ولماذا تُهِمّ؟
يطلق الروس اسم “البجعة البيضاء” على القاذفة الإستراتيجية Tu-160، المعروفة في تسمية حلف الناتو باسم Blackjack. وهي أكبر قاذفة، أسرع من الصوت، والأسرع في العالم، تتميز بأجنحتها المتحركة وهيكلها الأبيض المصمم جزئيًا لتقليل أثر الحرارة الناتجة من الانفجار النووي. وهي واحدة من أكثر رموز القوة الجوية الروسية شهرة، ليس فقط بسبب شكلها المميز، بل وبسبب مكانتها في الذراع الجوي للثالوث النووي.
الـTu-160 ليست طائرة شبحية، ولا تعتمد في مهمتها الأساسية على اختراق أجواء الخصم المحمية كما تفعل بعض القاذفات الأمريكية الشبحية. قوتها الحقيقية تكمن في قدرتها على حمل صواريخ كروز بعيدة المدى وإطلاقها من مسافات بعيدة. ويمكنها -بحسب التقديرات المفتوحة- حمل ما يصل إلى 12 صاروخ كروز داخل حجرة التسليح، سواء برؤوس تقليدية أو نووية بحسب طبيعة المهمة.
ولهذا فإن أهميتها تتجاوز فكرة “طائرة قصف”. إنها منصة إستراتيجية تتيح لروسيا أن تضرب من مسافات بعيدة، وأن ترسل رسالة ردع، وأن تحافظ على عنصر جوي في ثالوثها النووي، وأن تشغّل صواريخ كروز في العمليات التقليدية. وتقدّر المصادر المفتوحة أن روسيا تمتلك في حدود خمسة عشر طائرة من هذا النوع ضمن أسطولها العامل، في مقابل عدد أكبر من قاذفات Tu-95MS الأقدم والأبطأ.
لكن الحرب كشفت هشاشة نسبية في هذا الذراع الجوي. فالقاذفات ليست محصنة لمجرد أنها بعيدة المدى؛ هي تحتاج إلى قواعد، ومدارج، ووقود، وورش صيانة، وذخائر، وحماية أرضية، ودفاع جوي. وقد أظهرت الهجمات الأوكرانية على قواعد الطيران الإستراتيجي أن الوصول إلى هذه القواعد، ولو عبر وسائل غير تقليدية، قادر على فرض أثر كبير.
وتشير التحليلات المفتوحة إلى أن عملية “شبكة العنكبوت” الأوكرانية في يونيو/حزيران 2025 دمرت سبع قاذفات Tu-95، وألحقت ضررًا بطائرة إضافية، كما دفعت روسيا إلى تغيير نمط انتشار قاذفاتها الإستراتيجية وتشتيتها في قواعد أبعد وأكثر تفرقًا. أما الحديث عن تدمير واسع للبجعة البيضاء نفسها فينبغي التعامل معه بحذر؛ فالأثر الأكثر ثبوتًا هو أن الهجوم فرض على موسكو إعادة توزيع قاذفاتها، وزيادة حمايتها، وتحمل كلفة دفاعية ولوجستية إضافية.
وهنا تظهر القيمة الإستراتيجية للهجوم. فليس من الضروري أن يدمر الخصم كامل الأسطول حتى يحقق مكسبًا. يكفي أحيانًا أن يجبره على تشتيت طائراته، وتغيير قواعد ارتكازها، وزيادة تدابير الحماية، وتخصيص دفاعات إضافية، وتأخير برامج التدريب والصيانة. وهذا النوع من الأثر بالغ الأهمية في سلاح محدود العدد ويصعب تعويضه بسرعة.
القوة التقليدية الروسية: استنزاف لا انهيار
روسيا لم تصبح عاجزة عسكريًا. والقراءة التي تتوقع انهيارًا وشيكًا للجيش الروسي لا تستند إلى الواقع. فالجيش الروسي ما زال يملك القدرة على الهجوم الموضعي، وعلى إطلاق الصواريخ والمسيّرات بكثافة، وعلى تعبئة أعداد جديدة من الأفراد، وعلى إعادة تأهيل مخزونات سوفيتية ضخمة، وعلى الاستفادة من قاعدة صناعية عسكرية واسعة.
لكن هذا لا يلغي حقيقة الاستنزاف، بل إن القوة الروسية الحالية يجب فهمها بوصفها قوة قادرة على الاستمرار، لكنها تدفع كلفة متزايدة للحفاظ على المستوى نفسه من العمليات.
لقد كانت الخطة الروسية الأصلية، في مطلع الغزو، تقوم على سرعة الحركة، وشل القيادة الأوكرانية، وإسقاط كييف أو إخضاعها سياسيًا خلال فترة قصيرة. غير أن فشل الهجوم على العاصمة، ثم التحول إلى حرب المدن في ماريوبول وباخموت وأفدييفكا وغيرها، نقل روسيا إلى نموذج مختلف: حرب استنزاف، تعتمد على القصف المكثف، والموجات الهجومية، والتقدم البطيء، والاستهلاك الكبير للذخيرة، وضغط مستمر على الخطوط الأوكرانية.
في هذا النموذج، تملك روسيا بعض نقاط القوة. فهي أكبر من أوكرانيا سكانًا واقتصادًا، ولديها قدرة أوسع على التجنيد، وإمكانية أكبر لتحمل الخسائر، ومخزون كبير من العتاد السوفيتي القابل للإصلاح وإعادة الاستخدام. كما أنها حصلت على دعم مهم من شركاء خارجيين: ذخائر وقذائف وصواريخ من كوريا الشمالية، ومكونات صناعية وإلكترونية وآلات ومركبات ومواد ذات استخدام مزدوج من الصين، وخبرة مبكرة في الطائرات المسيّرة ارتبطت بنماذج إيرانية ثم بإنتاج روسي محلي واسع.
لكن نقاط القوة هذه تخفي نقاط ضعف بنيوية.
أولًا، الخسائر البشرية. فالتقديرات المفتوحة تختلف بطبيعتها، لأن أي حرب كبرى تحيط أرقامها بالسرية والدعاية. لكن التقديرات المهنية تجمع على أن الخسائر الروسية منذ فبراير/شباط 2022 ضخمة على نحو غير مسبوق لدولة كبرى منذ الحرب العالمية الثانية. بعض التقديرات تضع إجمالي القتلى والجرحى والمفقودين الروس حتى نهاية 2025 عند ما يقترب من 1.2 مليون، فيما تقدر دراسات أخر عدد القتلى وحدهم بما لا يقل عن 300 ألف في مطلع 2026.
والأهم من الرقم نفسه هو تركيب الخسارة. ففقدان جندي جديد يمكن تعويضه نسبيًا بالتجنيد والحوافز المالية. أما فقدان ضابط ميداني، أو قائد فصيلة أو سرية، أو طاقم دبابة مدرب، أو فني طيران، أو عنصر اتصالات واستطلاع، فيصعب تعويضه بسرعة. والخبرة القتالية لا تنتجها القرارات الإدارية، بل تتراكم عبر التدريب والزمن والعمل الميداني.
ثانيًا، خسائر العتاد. فقد فقدت روسيا خلال الحرب أعدادًا كبيرة من الدبابات والعربات القتالية والمدفعية ومركبات الدعم. وقد استطاعت التعويض جزئيًا عبر إعادة تأهيل دبابات ومركبات من الحقبة السوفيتية، وعبر زيادة الإنتاج والتحديث، لكنها لا تستطيع دائمًا تعويض النوعية نفسها. فإعادة دبابة قديمة إلى الخدمة لا تعني أنها باتت مساوية لدبابة حديثة من حيث الحماية والبصريات والاتصالات والقدرة على البقاء في بيئة تمتلئ بالطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للدروع.
ثالثًا، محدودية التقدم مقارنة بالكلفة. فقد استطاعت القوات الروسية أن تحقق مكاسب موضعية في عدد من المحاور، لكنها غالبًا ما كانت بطيئة جدًا قياسًا إلى عدد الخسائر وحجم الذخيرة المستخدمة. فالتقدم عشرات الأمتار يوميًا أو بضعة كيلومترات خلال أشهر قد يغير الخريطة التكتيكية، لكنه لا يساوي بالضرورة اختراقًا إستراتيجيًا يبدل مسار الحرب أو يفرض تسوية سياسية.
رابعًا، فقدان حلم التفوق الجوي الكامل. فعلى الرغم من امتلاك روسيا قوة جوية ضخمة، فإنها لم تستطع تحقيق سيادة جوية مطلقة فوق أوكرانيا كما كان متوقعًا في بدايات الحرب. واستمرار الدفاعات الجوية الأوكرانية، وتكيّف الطرفين مع التهديدات، وارتفاع كلفة الاقتراب من الأجواء المحمية، جعل الطيران الروسي يعتمد بدرجة أكبر على الإطلاق من مسافات بعيدة، وعلى القنابل الانزلاقية، وعلى الصواريخ والمسيّرات، بدل السيطرة الجوية الكاملة.
وهذا يعني أن روسيا ما زالت خطيرة، لكنها تعمل في ظروف ليست مثالية. فهي تملك القدرة على القصف، لكنها لا تملك حرية مطلقة في الطيران. تملك القدرة على التقدم، لكنها لا تحقق اختراقًا حاسمًا بسهولة. تملك كتلة بشرية وعتادية كبيرة، لكنها تدفع ثمنًا متصاعدًا في النوعية والخبرة والجاهزية.
اقتصاد الحرب: قدرة على الصمود أم استهلاك للمستقبل؟
من أكثر الأخطاء شيوعًا في تحليل روسيا القول إن العقوبات وحدها ستسقط اقتصادها سريعًا. فروسيا لم تنهَر اقتصاديًا بعد 2022، بل تمكنت من التكيف مع جزء من الضغوط من خلال إعادة توجيه صادرات الطاقة، وزيادة التجارة مع الصين والهند ودول أخر، وفرض قيود مالية، وضخ إنفاق حكومي واسع في الصناعة العسكرية.
لكن الصمود ليس هو الازدهار، واستمرار المصانع ليس هو التنمية، وزيادة إنتاج القذائف والدبابات لا تعني أن الاقتصاد يبني قدرات مستقبلية مستدامة.
لقد منح الإنفاق العسكري الاقتصاد الروسي دفعة ظاهرية في السنوات الأولى للحرب. فالمصانع العسكرية توظف عمالًا، والدولة تشتري الذخائر، والرواتب العسكرية والحوافز المالية تضخ أموالًا في مناطق واسعة. غير أن هذه الصورة تخفي حقيقة أن اقتصاد الحرب يستهلك الموارد بطريقة لا تنتج أصولًا مدنية منتجة. فالقذيفة التي تطلق في يوم واحد لا تبني مدرسة ولا مصنعًا مدنيًا ولا شبكة نقل ولا قدرة تصديرية جديدة.
والاقتصاد الروسي بدأ يُظهر علامات واضحة على الرهق: نمو أبطأ، وتضخم وضغوط نقدية، وفوائد مرتفعة، ونقص في العمالة، وتراجع في الاستثمار، واعتماد أكبر على الضرائب والاقتراض المحلي والإنفاق الحكومي. وقد تباطأ النمو الروسي بشدة بعد نمو مرتفع نسبيًا في عام 2024، بينما دخل الاقتصاد في انكماش فصلي مطلع 2026 بحسب تقديرات منشورة، وتفاوتت التقديرات لنمو العام كله بين مستويات متواضعة جدًا.
ولا يعود ذلك إلى العقوبات وحدها. فالحرب نفسها تسحب العمالة من القطاعات المدنية إلى الجيش والمصانع العسكرية. ويؤدي ارتفاع الأجور في الصناعات الدفاعية إلى ضغط على بقية القطاعات. كما أن خروج عشرات الآلاف من أصحاب الكفايات، والقيود على التكنولوجيا والاستثمار الأجنبي، وارتفاع كلفة الاقتراض، كلها عوامل تضعف القدرة على تطوير اقتصاد متقدم ومتوازن.
ثم إن اعتماد روسيا على صادرات الطاقة يمنحها مصدر قوة، لكنه يمنح خصومها أيضًا نقطة ضغط. فاستهداف المصافي والموانئ ومنشآت النفط لا يؤدي فورًا إلى انهيار الدولة، لكنه يزيد حساسية الاقتصاد الروسي لتقلبات الأسعار، ويجبره على إعادة ترتيب الأولويات بين التصدير والاستهلاك الداخلي، ويخلق خطر نقص الوقود أو ارتفاع كلفته في مناطق معينة.
والبعد الأعمق هو أن الحرب تدفع روسيا إلى تحويل جزء متزايد من الدولة إلى اقتصاد تعبئة. وكلما طال هذا المسار، أصبح الخروج منه أصعب. فالمصانع العسكرية تحتاج إلى عقود واستثمارات، والجيش يحتاج إلى حوافز مالية كبيرة للتجنيد، والقطاع المصرفي يحتاج إلى تمويل العجز، والدولة تحتاج إلى حماية الداخل من آثار التضخم والاستياء المجتمعي.
هنا لا ينبغي القول إن روسيا وصلت إلى حافة الانهيار، هذا تبسيط مخل. لكنها أصبحت أمام معادلة صعبة: استمرار الحرب ممكن، لكن كلفته الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارية تتزايد، ويصبح استرداد التوازن بعد الحرب أكثر صعوبة.
الصين وكوريا الشمالية: قوة إسناد لا تحالف إنقاذ مطلق
لم تخض روسيا حربها وحدها. فاستمرار قدرتها على إنتاج الذخائر والمسيّرات والمركبات وإصلاح العتاد يرتبط بدرجات مختلفة بشبكة من الشركاء الخارجيين.
تُعد الصين الشريك الاقتصادي والتقني الأهم. فمن خلالها تصل إلى روسيا مكونات إلكترونية، وآلات صناعية، وأدوات تحكم رقمية، وقطع غيار، ومحركات، ومواد ذات استخدام مزدوج. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الصين أصبحت طرفًا مباشرًا في الحرب على النحو الذي تكون عليه الدولة المتحاربة، لكن الدعم التجاري والتقني والصناعي أتاح لروسيا تقليل أثر بعض العقوبات والقيود الغربية.
أما كوريا الشمالية فقد برزت بوصفها موردًا مهمًا للذخيرة وبعض الصواريخ، وهو ما منح روسيا منفذًا لتخفيف الضغط عن مصانعها وإدامة معدلات إطلاق النار. كما أن التعاون العسكري مع كوريا الشمالية لم يعد ذا طابع رمزي؛ بل أصبح جزءًا من شبكة إمداد فعلية ترتبط بحرب الاستنزاف.
لكن هذا الإسناد له وجه آخر. فهو يكشف أن روسيا، رغم كونها دولة كبرى ذات قاعدة صناعية عسكرية عريقة، تحتاج إلى الخارج في مراحل حاسمة من الحرب: تحتاج إلى الذخيرة، وإلى المكونات، وإلى الآلات، وإلى الأسواق، وإلى قنوات الالتفاف على العقوبات.وهذه ليست علامة انهيار، لكنها علامة على أن الاستقلال الإستراتيجي الروسي أضيق مما كانت الصورة الرسمية توحي به. فالدولة التي تخوض حربًا كبرى تحتاج إلى شراكات، لكن الفرق كبير بين الشراكة التي تزيد القوة، والشراكة التي تصبح شرطًا لاستمرار الإنتاج.
الغرب أيضًا مستنزف: لكن نوع الاستنزاف مختلف
لا يجوز في المقابل تصوير الغرب ككتلة تمتلك مخزونات لا تنفد. فالحرب الأوكرانية كشفت عيوبًا كبيرة في الصناعات الدفاعية الغربية، خصوصًا بعد عقود من افتراض أن الحروب الكبرى بين الدول باتت غير مرجحة في أوروبا.
لقد تبين أن كثيرًا من الجيوش الغربية بنيت على مبدأ الجودة العالية والمخزونات المحدودة، لا على مبدأ الاستهلاك الهائل لآلاف القذائف والصواريخ والاعتراضات الجوية يوميًا. ولذلك أصبحت الذخائر المدفعية، وصواريخ الدفاع الجوي، وصواريخ باتريوت، وذخائر الراجمات، وبعض الصواريخ المضادة للدروع، موضع ضغط حقيقي.
وتزداد المشكلة تعقيدًا لأن الحرب في أوكرانيا ليست وحدها اليوم الساحة التي تستهلك منظومات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية. فالاضطرابات والتصعيد في مناطق أخر من العالم تزيد الطلب على الذخائر التي كانت أصلاً محدودة الإنتاج. ولهذا فإن السؤال في العواصم الغربية اليوم ليس فقط: كم سلاحًا نرسل إلى أوكرانيا؟ بل أصبح: كم نحتفظ به لأنفسنا؟ وكم سنة نحتاج لإعادة بناء المخزون؟ وأي الصناعات يجب توسيعها أولًا؟
لكن استنزاف الغرب يختلف عن استنزاف روسيا في نقطة مركزية: الغرب يملك قاعدة اقتصادية وتقنية ومالية أكبر بكثير، إذا توفرت الإرادة السياسية لتحويل جزء من هذه القدرة إلى إنتاج عسكري طويل الأجل. المشكلة الغربية ليست شح المال أو غياب التكنولوجيا، بل بطء القرار، وطول دورة التعاقد والإنتاج، وتعدد الأنظمة الوطنية، وغياب اقتصاد التعبئة.
وقد بدأت أوروبا تتحرك، خصوصًا في إنتاج الذخائر والطائرات المسيّرة والدفاع الجوي. كما أخذ الدعم العسكري الأوروبي لأوكرانيا يتحول من مجرد سحب من المخزونات إلى تمويل الإنتاج المشترك واشتراء المعدات مباشرة من المصانع الأوكرانية والأوروبية. وهذه نقطة مهمة جدًا، لأنها تعني أن أوكرانيا لا تتلقى السلاح فقط، بل تبني جزءًا من قدرتها الصناعية داخل الحرب نفسها.
وفي الأشهر الأولى من 2026، زاد التمويل الأوروبي المخصص للمسيّرات بدرجة كبيرة، وتضمنت بعض الحزم أعدادًا ضخمة من المسيّرات وتمويلًا مباشرًا للإنتاج والتطوير. وهذا يفسر جانبًا من القدرة الأوكرانية الجديدة على تنفيذ هجمات متكررة بعيدة المدى.
إذن، الغرب يعاني من استنزاف في المخزون الجاهز، خصوصًا الذخائر الدقيقة والدفاع الجوي. لكن روسيا تعاني من استنزاف أوسع: في البشر، والعتاد، والاقتصاد المدني، والاستثمار، والتكنولوجيا، والقدرة على حماية العمق. والنتيجة النهائية تتوقف على أي الطرفين يستطيع تحويل قدرته الإنتاجية إلى تفوق مستدام قبل أن يصبح الاستنزاف عبئًا سياسيًا واقتصاديًا لا يحتمل.
من الذي يمنح أوكرانيا هذه القوة؟ ولماذا الآن؟
من غير الدقيق وصف أوكرانيا بأنها مجرد أداة تنفذ إرادة الخارج، كما أنه من غير الدقيق تصورها دولة تعمل وحدها في مواجهة روسيا. الحقيقة أن القدرة الأوكرانية الحالية نتاج تفاعل بين ثلاثة عناصر.
العنصر الأول هو الخبرة الأوكرانية المتراكمة. فبعد سنوات من الحرب، طورت أوكرانيا صناعة مسيّرات واسعة، وبيئة ابتكار عسكري مرنة، وقدرة على تعديل المنصات بسرعة، وربط الاستطلاع بالضربات، والاستفادة من المعلومات الميدانية في تطوير نسخ جديدة من السلاح.
العنصر الثاني هو الدعم الغربي. ويشمل التمويل، والتدريب، والدفاع الجوي، والذخائر، والصيانة، وبعض أشكال تبادل المعلومات والاستخبارات، ودعم الصناعة. هذا الدعم لم يكن ثابتًا ولا خاليًا من القيود، لكنه كان حاسمًا في منع انهيار أوكرانيا وفي تمكينها من التحول من الدفاع المحض إلى القدرة على الضرب في العمق.
أما العنصر الثالث فهو تحول طبيعة الحرب نفسها. فالمسيّرات بعيدة المدى أقل كلفة من الصواريخ الإستراتيجية، ويمكن تصنيعها بأعداد أكبر، ولا تتطلب في كل مرة موافقة سياسية خارجية كالتي ارتبطت ببعض الصواريخ الغربية بعيدة المدى. وهذا أعطى أوكرانيا هامشًا أكبر للمبادرة.
ولماذا الآن؟ لأن القدرة لا تظهر فجأة. أوكرانيا احتاجت إلى وقت لبناء الصناعة، وتدريب المشغلين، وتجميع الاستخبارات، واختبار النماذج، واكتشاف الثغرات الروسية، وفهم أثر الضربات على الاقتصاد. كما أن أوروبا اتجهت خلال عامي 2025 و2026 إلى تمويل أكبر للمسيّرات والإنتاج المشترك، بعدما أدركت أن الحرب باتت لا تعتمد على السلاح الغربي التقليدي وحده.
والضربات تتصاعد أيضًا لأن كييف تريد أن تثبت لموسكو أن الحرب الطويلة لن تكون أحادية الاتجاه. فإذا كانت روسيا تراهن على أن قدرتها السكانية والصناعية أكبر من قدرة أوكرانيا على الاحتمال، فإن أوكرانيا تراهن على أن الضغط على العمق الاقتصادي واللوجستي الروسي سيجعل الحرب مكلفة بما يكفي لتغيير الحسابات السياسية.
روسيا بين القدرة على الإيذاء والعجز عن الحسم
يمكن تلخيص وضع روسيا العسكري اليوم في معادلة واضحة: روسيا لا تزال قوة خطيرة، لكنها باتت لا تمتلك حرية القوة التي كانت تُنسب إليها قبل الحرب.
هي قادرة على شن هجمات صاروخية ومسيّرة واسعة، قادرة على إيقاع أضرار جسيمة بالبنية التحتية الأوكرانية، وقادرة على تجنيد آلاف الأفراد،وقادرة على التقدم في بعض المحاور،وقادرة على الاستفادة من مخزونها الصناعي والتاريخي، وقادرة على التلويح بقوتها النووية لإبعاد خطر التدخل العسكري الغربي المباشر.
لكنها لم تستطع، بعد أكثر من أربع سنوات، أن تحقق الأهداف التي بدأت الحرب من أجلها: لم تسقط كييف، ولم تفرض حكومة موالية لها، ولم تقض على الدولة الأوكرانية، ولم تمنع استمرار الدعم الغربي، ولم تحافظ على عمقها الاقتصادي والعسكري خارج نطاق الضربات.
وهذا هو التحول الحقيقي. ليست المسألة أن روسيا فقدت كل عناصر القوة؛ بل إن أدوات القوة التي كانت تبدو كافية قبل الحرب، ثبت أنها غير كافية لتحقيق حسم سريع في مواجهة دولة مصممة على المقاومة ومدعومة من قاعدة صناعية واقتصادية غربية كبيرة.
لقد تحولت روسيا من دولة تتوقع حربًا خاطفة إلى دولة تخوض حربًا طويلة. والتحول من الحرب الخاطفة إلى حرب الاستنزاف ليس تغييرًا تكتيكيًا فقط؛ بل هو اختبار شامل للدولة: للجيش، والاقتصاد، والمجتمع، والصناعة، والقدرة السياسية على إدارة الخسائر.
خاتمة: الحرب التي تعيد تعريف القوة
تدل الضربات الأوكرانية في العمق الروسي على أن الحرب دخلت طورًا جديدًا. لم يبق السؤال فقط: من يسيطر على قرية أو بلدة في دونباس، بل من يملك القدرة على جعل الحرب مكلفة للطرف الآخر في الداخل.
روسيا ما زالت تمتلك قوة نووية هائلة، وجيشًا كبيرًا، وقدرة على إدامة القتال. لكن الردع النووي لا يحل محل القوة التقليدية، ولا يعوض من الخسائر البشرية، ولا يضمن الحسم السياسي، ولا يمنع المسيّرات من الوصول إلى المصافي والقواعد والمطارات.
والبجعة البيضاء، بكل رمزيتها وقدرتها، تمثل هذه المفارقة بوضوح: قاذفة إستراتيجية هائلة تحمل جزءًا من قوة روسيا النووية، لكنها تحتاج إلى قاعدة آمنة، وصيانة، وحماية، وتشتيت، وتدابير دفاعية مكلفة. فالقوة في العصر الجديد لا تقاس فقط بما تملكه الدولة من منصات ضخمة، بل بما تستطيع حمايته، وإنتاجه، وإصلاحه، وتعويضه، وتشغيله تحت الضغط.
أما الغرب، فقد اكتشف أن اقتصاد السلام لا يكفي لخوض حرب استنزاف. لكنه يملك من الثروة والتكنولوجيا والقاعدة الصناعية ما يمكّنه من إعادة بناء قدراته إذا اتخذ قرارًا سياسيًا طويل النفس. وأوكرانيا، التي بدأت الحرب في موقف دفاعي شديد الصعوبة، تمكنت عبر الخبرة المحلية والدعم الخارجي والابتكار في المسيّرات من تحويل جزء من الحرب إلى داخل روسيا نفسها.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين طائرة مسيرة ومصفاة، ولا بين قاذفة وقاعدة، ولا بين قذيفة ودبابة. إنها معركة بين نموذجين من القوة: قوة تقوم على الترسانة والكتلة والردع، وقوة تقوم على القدرة المستمرة على الإنتاج والتكيف والابتكار وتحمّل الاستنزاف.
وفي هذه المعركة، لا تبدو روسيا منهارة، لكنها تبدو أقل حصانة، وأكثر اعتمادًا على التعبئة والإنفاق العسكري والشركاء الخارجيين، وأبعد من الصورة التي أرادت أن ترسمها لدولة تستطيع أن تشن حربًا كبرى ثم تبقي مجتمعها واقتصادها وعمقها الإستراتيجي خارج ثمن تلك الحرب.
1448-01-17