العدد 478 -

السنة الأربعون ، ذو القعدة 1447هـ الموافق أيار 2026م

ما الفجر إلا بعد أحلك ساعة في الليل

أم بلال –  فلسطين

 

من ينغمس في دعوة الناس ويخالطهم مِن قُرب لا يحتاج إلى كثير عناء ليلاحظ تبلدا وصلت إليه بعض القطاعات من الأمة، هذا التبلد لا يظهر في الكلمات فقط بل في انعدام ردود الأفعال تجاه تجاوزات صارخة تمارسها الأنظمة بحق شعوبها، أنظمة تفُقر الناس وتضيّق عليهم أرزاقهم وتقمع حرياتهم وتكسر كرامتهم، ثم تمضي وكأن شيئا لم يكن دون أن تواجه رد فعل يوازي حجم هذا الظلم. 

هذه الحالة ليست لغزا ولا استثناء في مسار الأمم،وإنما هي حالة طبيعية تصيب الشعوب عقب الانتكاسات الكبرى. فلقد شعرت الأمة بانتكاسة عميقة بعد فشل الربيع العربي حين تكسرت الآمال على صخرة الواقع السياسي الذي فرضته مطابخ السياسة الدولية، وتبع ذلك خذلان موجع لغـزة، حيث بدا العجز الجماعي واضحا ومكشوفا ليعيد طرح السؤال الجوهري،وبخاصة لدى الشباب الذين تصدروا المشهد بسؤالهم: “ماذا علينا أن نفعل؟”. 

غير أن الإجابات التي قدمت لهم كانت في معظمها قاصرة دارت حول العمل الفردي أو الانكفاء إلى الدروشة والدعاء، أو الاشتغال بالقشور، دون علاج جاد يعالج أصل المشكلة ويقدم مسارا واضحا  للتغيير، وهكذا خرج الشباب من السؤال أكثر حيرة مما دخلوا إليه!

ولا شك أن حالة الشعوب خلال الزمن القريب الذي عشناه لم تكن ثابتة، فقد تقلبت بين الغليان والحماسة والانتكاسة والانحباط وسائر الحالات النفسية التي تعقب كل حدث أو فعل سياسي كبير، وهذا التقلب مفهوم في سلوك العوام، لأنهم بطبيعتهم يتأثرون بالحال السياسي الغالب صعودا وهبوطا. 

لكن ما ينبغي التنبه له، بل الحذر منه، هو أن تشغل هذه الحالات المتنوعة العاملين للنهضة عن عملهم، فحالات الأمة المتقلبة لا علاقة لها بحصول النهضة من حيث الأصل، فالنهضة لا تبنى على المزاج العام، ولا تنتظر حماسة الجماهير أو فتورها، بل تقوم على العمل الصحيح المجزئ الواعي من قطاع مخلص من الأمة يستحق نصر الله، أما العوام فإنهم في الغالب يلتحقون بالفعل حين تتغير الموازين ويتبدل الواقع السياسي، وإذا ما نادى الإمام أن حي على الجهاد والفلاح فسيلتحقون بالركب أفواجا، فالشوق في الأمة لغلبة الحق جارف، وسيذهل الطغاة لحظة الانعطافة الحاسمة. 

فمن هنا لا يجوز لرجال الإسلام أن يتأثروا سلبا بأحوال الأمة، ولا أن يقيسوا صحة طريقهم بردود فعل الناس الآنية، بل عليهم أن يغذوا المسير، وأن يثبتوا على الطريق، وألا يلتفتوا إلى الوراء، فالمتلفت لا يصل، والطريق طويل ومحفوف بالعقبات،ولكن سنن التغيير لا تحابي أحدا، ومن أخذ بها ومضى ثابتا أدرك الثمرة ولو بعد حين. 

وإن التبلد المتفشي اليوم في قطاعات من الأمة لا يعني نهاية الطريق، بل قد يكون أحد محطاته، وما بعده لا يُصنع بالانتظار ولا بالتأفف، بل بالعمل الدؤوب الواضح المتجرد الذي لا يتبدل بتبدل الأمواج ولا يضعف بتقلب الأحوال.

ولهذا نذكّر الأمة الإسلامية دائما أن الخلافة هي النظام السياسي الذي أرشد إليه رسول الله ﷺ، وهي النظام السياسي الذي طبقه الصحابة رضوان الله عليهم، والذي ضمن للأمة الإسلامية العزة طوال تاريخها، ولم يكن لها عز إلا في ظله. فلا بد لها أن تنخرط في العمل لإعادتها الآن، وأن تجعل ذلك قضيتها المصيرية.

 حين يقدَّم مشروع الخلافة بوصفه حكما شرعيا وطريقة عملية لاستئناف الحياة الإسلامية، تسُارع الأنظمة إلى شيطنته، لأنه يضرب الأساس الذي قامت عليه تلك الأنظمة العميلة. فالخلافة مشروع يجعل السيادة للشرع لا للدستور الوضعي، ويجعل الثروات العامة مِلكية للأمة تدُار وفق أحكام الشرع، ويجعل العلاقات الدولية قائمة على حمل الإسلام للعالم بالدعوة والجهاد، لا على التبعية والارتهان. 

فإن الوعي الذي تخشاه الأنظمة هو الوعي الذي يربط بين الأزمات اليومية وبين أصل النظام. فالأزمة الاقتصادية ليست مجرد سوء إدارة، بل نتيجة تبني النظام الرأسمالي. والتبعية السياسية ليست خطأ تكتيكيا، بل ثمرة الارتباط البنيوي بالنظام الدولي. وتفتيت بلاد السلمين ليس صدفة جغرافية، بل نتيجة مباشرة لهدم الدولة الجامعة واستبدال دول قُطرية بها. 

فإن الأمة إذا استعادت وعيها السياسي على أساس الإسلام، فإنها لا تبحث عن مكاسب آنية، بل عن تغيير جذري يعيد بناء الكيان السياسي على أساس العقيدة. وهذا التغيير لا يقوم على الانفعال، بل على عمل سياسي مبدئي منظم، وصراع فكري يكشف زيف المفاهيم الدخيلة، وكفاح سياسي يفضح ارتباط الأنظمة بالمشاريع الأجنبية. 

ولهذا ترتجف الأنظمة أمام فكرة الخلافة، لأنها تعلم أن الأمة إذا أدركت أن وجود إمام واحد يطبق عليها أحكام الإسلام فرض عليها، وأن بقاءها ممزقة تحت أنظمة لا تحكم بالإسلام معصية جماعية، فإنها ستتجه نحو العمل لإقامة البديل المبدئي. وعندها تتحول الفكرة إلى قوة، والقناعة إلى رأي عام، والرأي العام إلى إرادة وتغيير.

إن معركة الأمة اليوم، قبل أن تكون معركة سلاح، هي معركة فكر ووعي. فإذا انتصر الفكر والوعي، سقطت الشرعيات المزيفة، وبرزت الشرعية الحقيقية المنبثقة من العقيدة الإسلامية. وإذا عادت الأمة إلى مشروعها السياسي المبدئي، فإنها تكون قد وضعت قدمها على أول طريق استئناف الحياة الإسلامية، لا شعارا عاطفيا، وإنما واقعا سياسيا جامعا يعيد لها اجتماعها وكرامتها وريادتها. 

فلا بد لحملة الدعوة أن يقفوا عند مجريات الأحداث في العالم الإسلامي وينبهوا الأمة لأمرين:

الأول: أن جميع دعوات الانبطاح للغرب الكافر المستعمر من قبل العملاء، لتفادي أذاه أو لنيل رضاه هي انتحار سياسي لا ينتهي بأصحابه إلا إلى الخراب والدمار. وقبل ذلك فهو حرام لأنه يخالف منهاج رسول الله ﷺ وما سار عليه خلفاؤه الراشدون، ويستجلب غضب الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿ياَ أيَهَّا الَّذِينَ آمَنوُا لا تتَخِّذُوا عَدُوِي وَعَدُوَّكُم أوَلِيَاء تلُقوُنَ إلِيهِم بِالمَوَدَّةِ وَقَد كَفرُوا بِمَا جَاءَكُم مِنَ الحَقِ﴾.

الثاني: ألا تنخدع الأمة بدعوات الغرب الكافر المستعمر وعملائه بأنها لا تقوى أن تستعيد سلطانها منه. فما عند الغرب من قدرات لا يجاوز ما تراه العين. فها هي أمريكا التي روج العالم لجيشها بأنه أقوى قوة عسكرية في العالم، قد عجزت عن تحقيق ما أوهمت به العالم، بأن حربها مع إيران ستكون نزهة على غرار ما فعلته في فنزويلا. فطالت الحرب وتعقدت، وضاق الحال بترامب وأشياعه، فراحوا يلقون الكذبة تلو الأخرى عن إنجازاتهم في القضاء على قدرات إيران العسكرية، بينما هم يبحثون عن مخرج لمأزقهم. وفي ضوء ذلك، فإن المرحلة القادمة تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين تصعيد أوسع تسعى من خلاله الولايات المتحدة إلى كسر حالة التوازن القائمة، أو الذهاب نحو تسوية سياسية تُحفظ فيها الاعتبارات الشكلية لكل طرف، أو الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة تعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة بصورة أعمق.

 وبين هذه السيناريوهات جميعا، تبرز حقيقة ثابتة مفادها أن التحولات الكبرى لا تُمنح منحا، بل تُنتزع انتزاعا، وأن اللحظات التاريخية الفاصلة لا تنتظر المترددين، بل تصنعها الإرادات الواعية القادرة على قراءة الواقع واستثمار الفرص. 

وفي خضم هذه التحولات، فإن الأمة الإسلامية – وهي تتوق إلى تغيير جذري يخرجها من واقع التبعية والضعف – مطالبَة اليوم بأن تقرأ هذه الأحداث قراءة واعية، لا بوصفها مجرد صراع عابر بين قوى دولية، بل باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة توجيه البوصلة نحو مشروعها الحضاري.

إن اضطراب موازين القوة، وتراجع القدرة على فرض الهيمنة المطلقة، يفتحان نافذة لا تتكرر كثيرا في التاريخ، نافذة يمكن من خلالها الدفع نحو مشروع ينهض على أساس الإسلام، مشروع يقدم للبشرية بديلا من الأنظمة الجشعة التي أنهكت الإنسان وجرّت العالم إلى أزمات متلاحقة.

وليس ذلك بالأمر المتروك للأمنيات، بل هو فعل يحتاج إلى وعي سياسي عميق، وإرادة صلبة، وعمل منظم، يستثمر اللحظة ولا يبددها، حتى يكون للأمة دور فاعل، فيرسم معالم المرحلة القادمة، لا مجرد متلق لنتائجها.

 نحن على يقين بأن الله يذلل العقبات لهذا اليوم العظيم، وماهي إلا أن تتضافر جهود المخلصين من الأمة تحت راية “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، ستهزم أمامهم جموع الكفر كما هزمت أكاسرة الفرس والروم أمام نبي الله الكريم ﷺ وصحبه في سنوات قليلة، ونحن على يقين أننا أصحاب الحق، والحق سينتصر بإذن الله.

وإن حزب التحرير قد أعد العدة لإعادة هذا الفرض العظيم من ثقافة إسلامية ووعي سياسي،فأبشروا بنصر الله… وأعدوا أنفسكم لهذا اليوم العظيم. فما الباطل إلا قشرة رقيقة سرعان ما تنكسر ويشرق الحق بأنواره. وحينها لابد من أن تدمع له القلوب والعيون. فطوبى لمن كان معول هدم للباطل ولبنة في بنيان الحق. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *