مع القرآن الكريم: الله سبحانه وتعالى فَعّالٌ لما يريد
11 ساعة مضت
المقالات
56 زيارة
خليفة محمد- الأردن
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى:
( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ) [سورة البقرة،26].
نزلت هذه الآية ردّاً على الكفار واليهود الذين اعترضوا على ضرب المثل بالعنكبوت والذباب واستهزأوا بذلك، فكيف يضرب الله سبحانه وتعالى المثل بمخلوقات حقيرة؟ وكان ذلك منهم على سبيل المعاندة والمكابرة؛ إذ لا يختلف عاقلان في بديع خلق الله سبحانه وتعالى، وأنّ كلّ شيء يقعُ عليه حِسُّ البشر إنما هو آيةٌ عظيمة من آيات الله، يعجز البشرُ كلّهم عن خلْق ذبابة أو بعوضة أو عنكبوت، فلله سبحانه أنْ يضربَ المثلَ بما شاء من خلقه، كما له أنْ يُقسِمَ بما شاء من مخلوقاته، وقد فعل سبحانه؛ ففعلُه حقٌّ وقولُه حقٌّ.
وقد فات أولئك أنّ فصحاء العرب وبلغاءهم من الشعراء والناثرين قد ضربوا الأمثال بمثل تلك المخلوقات في أشعارهم وأمثالهم، ولا يتّسع المقام لذكرها هنا، لكنّ العبرة بدلالة المثل على ما ضُرِبَ له، ولفت النظر إلى قوّة التشبيه بين الـمُمَثَّل به والـمُمَثَّل له.
وفاتهم أيضاً أنّ ضرب المثل بتلك المخلوقات المحتقرة جاء مناسباً للآلهة التي زعموها من دون الله سبحانه وتعالى، فآلهتهم المزعومة تلك هي أحقر من تلك المخلوقات، فاستحقّت أنْ يضرب لها مثل تلك الأمثال.
قوله سبحانه وتعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً )جاء على سبيل المقابلة والمطابقة لسؤال الكفار حين قالوا: (أما يستحي رب محمّد أن يضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت؟)، فهذه الآية من المتشابه الذي يجبُ أن يُحمل على الـمُحْكَم، وهو قوله تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى،11]، وعليه فيكون المعنى الإجمالي أنّ الله تعالى لا يمنعه مانعٌ من أنْ يضربَ المثل بما شاء، فيضربُ سبحانه المثلَ أيَّ مثلٍ، وهو ما دلّت عليه (ما) النكرة المبهمة: {مَثَلاًمَّا} في دلالتها على الإغراق في العموم، أي عموم المثل. والضرْبُ هنا مجاز معناه الجعل والوضع، أيْ: جعلَ كذا مثلاً، أو: وضعَ كذا مثلاً. و{بَعُوضَةً} واحدةُ البعوض، وهي حشرةٌ صغيرةٌ طائرةٌ ذاتُ خُرطومٍ دقيقٍ تَحومُ على الإنسانِ لتمتصَّ بخرطومِها من دمِهِ غذاءً لها، ويُطْلَقُ عليها اسم الناموس واسم الهسهس في اللهجات العربية المعاصرة. و{فَمَا فَوْقَهَا} الفاء حرف عطف يفيد الترتيب والتعقيب في اللغة، لكنّ التعقيب هنا مصروفٌ إلى التدرّج، والمقصود ضرب المثل بالبعوضة الصغيرة ثم التي تليها في الصغر، فمع أنّ كلمة (فَوْقَ) تعني في أصلها العلوّ المكانيّ لكنّها تُنقَلُ مجازاً للدلالة على الزيادة في المعنى الذي وردت فيه، فلمجيئها بعد البعوضة أفادت معنى الزيادة في القلّة والحقارة، وذلك ليناسب الأمثال التي ضربها الله سبحانه وتعالى للآلهة التي زعمها الكفار، فيكون المعنى أنّ الله تعالى لا يمنعه مانع من أن يضربَ البعوضة مثلاً لآلهة الكفار وما هو فوق البعوضة في القلّة والحقارة.
وقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً}، تفصيلٌ لحال الناس أمامَ الأمثال المضروبة من الله سبحانه وتعالى، والناسُ أمامَ خطاب الله تعالى فريقان: مؤمن وكافر، فجاءت الفاء مفيدةً للترتيب والتعقيب، والمعنى هنا الترتيب الذِّكْرِيّ، أيْ: يُذكَر حال الناس من المثل بعد ذكر المثل، وجاء عَقِبَهُ مباشرةً. (أَمّا) حرف شرط وقعت الفاء في جوابه {فَيَعْلَمُونَ}، فحال الذين آمنوا أنهم يعلمون أنّه الحقُّ من ربّهم، ويكونُ سبباً في هدايتهم وزيادة هدايتهم، وحال الكافرين هو العناد والاستكبار فيكون المثل سبباً في ضلالهم وزيادة ضلالهم كما يدلُّ على ذلك بقية الآية.
والوقف بعد قوله تعالى: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً} وقف تامّ، لأنه لو وُصل لكان ما بعده صفة له، وهو ليس كذلك، فليس المثل هو الذي يُضِلّ ويَهدي بذاته، بل هذا بيان وتفسير للجملتين المصدَّرتين بأمّا، أي أن هذا المثل يهتدي به فريق {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ) ويَضِلُّ به فريق{وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ}، ولهذا فلا محلّ لها من الإعراب لأنها جملة تفسيرية أيْ: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً}.
وقوله تعالى: { يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً } الأقربُ أنّه جوابٌ لسؤال الكفار الذي سبق ذكره: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا مَثَلاً}فمع أنّ المثال المضروب يبيّن حقيقة ما ضُرِبَ لأجلِه إلّا أنّه قد جعله الله سبحانه وتعالى أيضاً سبباً لهداية المهتدين وسبباً لضلال الضالّين، وهذا المعنى دلّت عليه آياتٌ كثيرة، منها قوله تعالى: {وَإِذَامَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ* وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ}، [التوبة،124-125] وغيرها.
وقوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ}الفسق هو الخروج عن الأصل كخروج الطير من البيضة بعد أن يكسرها، فالخروج عن أحكام الشرع هو الفسق، فالفاسقون الذين يُضِلُّهم الله سبحانه وتعالى بآياته، وأمثاله هم الخارجون عن أحكامه التي أمر بها، وهذا لا يعني بأيِّ حالٍ أنّ الله سبحانه يُجبِرُ الضالّين على الضلال، ولا المهتدين على الاهتداء، لكنّ الله تعالى يُكافئ كل عاملٍ بعملِه في الدنيا، فمن اختار الهداية لطريق الله المستقيم هيّأ الله سبحانه وتعالى له سُبُل الهداية، فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [محمد،17]، وقال عزّ وجلّ: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}[العنكبوت،69]، وقال تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم،76]. ومن خرج عن أحكام الله تعالى واختار الضلال فإنّ الله سبحانه يهيّئ له أسباب الضلال، فقال سبحانه: {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا} [مريم،75]، وقال تعالى بعد ذكر عِدّة أصحاب النار: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء}[المدثر،31].
ونختم بذكر التشابه في حال الكفار على اختلاف الأزمان والأمكنة، ونرى الملحدين اليوم واللادينيين كيف يفترون على الله الكذب محاولين صرف المؤمنين عن إيمانهم، فكما رأينا الكفار في زمن الرسول ﷺ يعترضون على الله تعالى في ضرب الأمثال نراهم اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي ينسبون إلى الله تعالى أنّه يشتم أبا لهب وزوجه في سورة كاملة، ويشتم الوليد بن المغيرة وغيرهم من الكفار، ويتعجبّون -كما زيّنت لهم عقولهم وأهواؤهم وشياطينهم- من إله يشتم أحداً من عبيده، وهم بذلك يفترضون بعقولهم الناقصة المحدودة صورةً للإله، ويقيسونه على أنّ الملك والرئيس والحاكم لا يشتم أحداً من رعيّته، لكنهم يتغافلون عما يفعله ذلك الملك أو الرئيس أو الحاكم في الخفاء، ثم يقيسون بعقولهم الناقصةِ المحدودةِ الخالقَ على المخلوق، ألا ساء ما يحكمون! فالله سبحانه وتعالى {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [البروج،16]، وهو أيضاً لا يظلمُ أحداً: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف،49]؛ وإنما يُجازِي كلَّ عاملٍ بما عمل، وهو كما وصف نفسه سبحانه وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}[الشورى،11]، وليس كما تصوّره الشياطين في عقول الملحدين.
1448-03-03