قدرة اللغة العربية على التأثير والتوسع والانتشار وخطورة إهمالها
6 ساعات مضت
المقالات
16 زيارة
قيس الأنصاري –العراق
إن من أهم العوامل التي أدت إلى انحدار الأمة الإسلامية وبلادها والوصول إلى الحالة التي هي عليها الآن، بل والسبب في معظم تلك المصائب هو الضعف الشديد الذي طرأ على أذهان المسلمين في فهم الإسلام، وسبب هذا الضعف هو فصل الطاقة العربية عن الطاقة الإسلامية، وذلك بإهمال شأن اللغة العربية التي هي لغة الإسلام وجزء جوهري فيه، وهي اللغة التي حُمل بها والتي يجب أن يُحمل بها، فالنصوص التي جاء بها الوحي نصاً من الله تعالى أو عبّر عنها الرسول الأكرم ﷺ بلغته هي باللغة العربية، فلا يتأتى فهم هذه النصوص ومعانيها إن أهمل الإنسان فهم هذه اللغة، وأما المعاني التي جاء بها فإنه يجوز نقلها للعالم، بل إن المفروض أن يحملوها للعالم ويطلبوا منهم الإيمان بها، وهي أفكار صادقة ومعان سامية تخاطب عقول البشر، فما من إنسان يعقل إلا وله القدرة والاستطاعة على إدراك معانيها وفهم مراميها.
ولما كان الإنسان المسلم قد تخطى الدائرة القومية الضيقة ووجه نداء إلى العالم أجمع وجعل الإسلام المفاضلة بين الناس تقوم على أساس التقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، فإن هذا الإنسان المخاطب بهذه الأفكار والمطلوب منه أن يؤمن بها لم يُطلب منه أن يكون تابعا من الدرجة الثانية، بل يخاطب بوصفه إنساناً، فإن هو آمن بهذه الأفكار صار المجال أمامه مفتوحا ليكون كأولئك الذين آمنوا بالإسلام منذ أول يوم من العرب أو غيرهم. كما أن المجال مفتوح أمامه ليتسنم كرسي القيادة ويتحمل مسؤولية حمل الدعوة التي هي العمل الأصلي للمسلم وللدولة الإسلامية.
هذا من حيث أثر اللغة العربية على المسلم ونقله من التبعية والتقليد إلى مركز الأهلية والقيادة، وكذلك من حيث أثرها على المجتمع ومعالجة مشكلاته المستجدة التي لا تقف عند حد معين، والتي يجب أن تعالج بحسب ما أراد الله تعالى، لأنه أخبرنا أنه سيحاسبنا على كل قول نتفوه به وكل عمل نباشره، بل وعدنا أن يحاسبنا على ما حدثتنا به أنفسنا ثم خفف عنا فجعل المسؤولية في الكسب والاكتساب، قال تعالى: ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَقُلْ أَوْ تَعْمَلْ». نعم سيحاسب الوالي والعامل والزوج والزوجة والبنت والتاجر، كل بحسب ما استرعاه، وهذا يعني أنه شرع شرعاً للناس يسيرون عليه فينظمون أعمالهم بموجبه، والحساب هو التدقيق في أوراق الامتحان، والامتحان لا بد أن يكون تبعا لمنهج مسبق، ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾. وإقامة الحجة تقتضي بيان ما أراد، ومعرفة بيان المراد لا يمكن الوصول إليه إلا باللغة العربية، فمن أراد التقدم للامتحان في جامعة ألمانية أو إنجليزية فإنه لا يستطيع دراسة منهجها والإجابة على أسئلتها إلا إذا تعلم من لغتها ما يكفيه لفهم تلك المادة والإجابة على الأسئلة، وهذا أمر بدهي، ولهذا كان من أوجب الواجبات على من أراد التحاقاً بجامعة الإسلام، ويُلزم المرورَ بهذا الامتحان، أن يفهم لغة هذه الجامعة حتى يستطيع الفوز والنجاح. وبما أننا نؤمن أن عملنا الأصلي فيها إنما هو الدعوة إلى الإسلام صار لزاما علينا أن نمزج الطاقة العربية بالطاقة الإسلامية لما فيها من قوة التأثير والتوسع والانتشار، وما لم نقم بذلك فإننا لن نستطيع مطلقا النهوض بهذه الأمة، بل إننا لن نستطيع إيقاف هذا التدهور أو الحد من هذا الانحطاط حتى نصل الحضيض وبالتالي الفناء المؤكد، للأمة لا للأشخاص.
أما موضوع قدرة اللغة العربية على التأثير والتوسع والانتشار، فبالنسبة للغة العربية فإن قوتها على التأثير تظهر من تعيين معنى التأثير والتأثر، فالتأثير يحصل من إمكانية تجسيد الواقع وإبراز الجوانب المراد التأثير بها. وبإلقاء نظرة فاحصة على اللغة العربية وما حوت من ألفاظ ومفردات تجعل فيها القدرة على تجسيد الفكرة المراد إيضاحها، فالتأثير بها تجسيدا يبين أدق تفاصيلها ويصورها بالصورة التي تجعلها ناطقة معبرة عن الفكرة بكيفية لا تجعل بينها وبين القلوب المؤهلة للانفعال والتأثر أي حاجز، فقد وضع العرب في لغتهم مفردات تكفي لوصف الواقع على الحال التي هو عليها، فوفرت المفردات تلك الصور الحية في الأمثلة، فحين يقول شاعرهم: “مِكَرٍّ مِفَرٍّ مقبلٍ مدبرٍ معاً كجلمودِ صخرٍ حطّهُ السيل من علٍ”، فإنه يجسد للسامع صورة ذلك البطل باندفاعه حتى يجعل السامع يخشى الاصطدام بتلك الصخرة المنحدرة من أعلى الجبل. أضف إلى ذلك الاستعمال المجازي في تصوير المعاني وتجسيدها، ما يذهل العقول ويسحر الألباب، فالشاعر حين يقول: “فأمطرت لؤلؤاً من نرجسٍ فسَقَتْ ورداً وعضّت على العناب بالبَرَد”، هذا التصوير الفني الرائع في استعمال المجاز بصورة انحدار دمعة من العين على الوجه في حالة من الحزن اقتضت أن على شفتيها أثراً من فرط حزنها وتأثرها.
وقد أُطلق على بلاغة الكلمة ودقة التصوير عبارة مقاربة للحقيقة حيث وُصفا بـ”سحر البيان”، فاستعمال الكلمة المناسبة من حيث المعنى و”جرسها” الموسيقي في الجملة المناسبة في الفترة المناسبة تجعل لها فعل السحر على القلوب. وقد ذُكر أن أحد الأمراء أمر بجلب عدو له، فقال قصيدة فيه تمنى الأمير لو كان هو المطلوب، وقيلت بحقه هذه الكلمات، تلك القصيدة المشهورة التي مطلعها:
علو في الحياة وفي الممات *** لحقٌّ تلك إحدى المعجزات
كأن الناس حولك حين قاموا *** وفود نداك أيام الصلات
كأنك قائم فيهم خطيبا *** وكلهم وقوف للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاء *** كمدهما إليهم بالهبات
فكيف إذا امتزجت هذه الطاقة الهائلة في التعبير مع المعاني السامية والأفكار الراقية؟ فأي أثر تترك وأي شعور تحرك؟
ولنقف هنيهة مع حكم شرعي أراد الله تعالى أن يجسد صورته المخيفة للإنسان، ذلك الحكم هو النهي عن إتْباع الصدقة بالمنّ والأذى فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾، إلهاباً للمشاعر وإثارة للعواطف بصورة حية متحركة تكاد تنطق، ومن ثم دعوة للتفكير. بمثل هذا يحصل التأثير، ويُحدث التأثير والانفصال في نفس السامع: أفكارا راقية، ومعاني سامية، وتصويرا رائعا، ولغة غنية بمفرداتها وسهلة بألفاظها وقوية بقواعدها وأركانها وثابتة بمقاييسها وأوزانها.
وبمثل هذا التأثير والتأثر يجب أن يحمل الإسلام، حتى يُحدث ثورة في النفوس، ويرتقي بجمله إلى أرقى مدارج الكمال، ليعيد للمسلمين مجدهم وللإسلام عزته وأثره في الحياة.
هذا من حيث التأثير، أما من حيث التوسع فإن قابلية اللغة العربية للتعبير عن كل حدث أو ما يمكن أن يحدث من علوم أو معارف فليس لها حدود، وقد مرت اللغة العربية بتلك التجربة حين انطلق المسلمون بها وأنشؤوا دولة كانت الأولى في العالم المعروف في ذلك العصر، فاستطاعت أن توجد من المعارف ما يكفي لاستيعاب كافة المعارف والعلوم التي استجدت في عصرها أو التي وجدتها في الحضارات التي اندثرت.
وما أجمل ما قاله حافظ إبراهيم في وصف اللغة العربية ناطقا بلسان حالها:
وَسِعتُ كِتابَ اللَهِ لَفظاً وَغايَةً * وَما ضِقتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ
فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍ * وَتَنسيقِ أَسماءٍ لِمُختَرَعاتِ
أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ * فَهَل سَأَلوا الغَوّاصَ عَن صَدَفاتي
وهناك باب واسع وهو باب الاشتقاق الذي بواسطته نستطيع أن نشتق ألفاظا وتعابير تمكّننا من الإفصاح عن بغيتنا بشكل يحقق لنا بلوغ القصد، فاشتقاق الاسم من الفعل أو اشتقاق الفعل من الاسم كفيل بأن يغني اللغة العربية بمفردات جديدة وقوالب حديثة تصاغ فيها المعاني السامية المراد إيصالها للناس.
هذا بالإضافة إلى باب آخر هو باب التعريب. وعملية التعريب سهلة وميسورة وهي ليست أكثر من إخضاع اللفظة الأعجمية للوزن العربي فتؤخذ الأسماء الأعجمية المستجدة كما هي (أي كما سماها أهلها) ولا يصار إلى محاولة التعبير عن معناها (كالمطب الذي سقط به مجمع اللغة العربية)، فالاسم الأعجمي يبقى كما هو إن كان مطابقا للوزن العربي ككلمة تلفون مثلا. أما إن لم يكن مطابقا للوزن العربي ككلمة تلفزيون مثلا فإنه يصار إلى حذف بعض الحروف أو زيادة بعض الحروف عليها حتى تخضع للوزن العربي ثم تشتق من هذه الأسماء أفعال على متنها مثل (تلفن، يتلفن، تلفنة) (تلفز، يتلفز، تلفزة). وفي هذا ما يمكّن اللغة العربية من التوسع، ونعني بذلك إمكانية استنباط أحكام جديدة لكافة المشكلات المستجدة.
وأما الانتشار، فاللغة العربية بألفاظها وتراكيبها وقواعدها سهلة، ميسورة منضبطة بالوزن، ميسورة بالقواعد، خفيفة باللفظ. وقد مرت اللغة العربية بتلك التجربة فاجتازتها بكل نجاح. فلقد كانت لغة غالبية العالم المعروف في ذلك الوقت هي اللغة العربية، وسهل على جميع الناس تعلمها حتى أبدع فيها من لم ينتم إلى العرب كسيبويه وغيره، ولم تكن عقبة في وجه انتشار الإسلام. ولما كان الإسلام مخاطباً عقول البشر وفيه القدرة على التأثير على العقول ما جعلهم يدخلون في دين الله أفواجا. وبما أن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم ولم ينظر إليها بأنها لغة قوم معينين لذلك فقد أقبل الناس على دراستها باعتبارها لغتهم، لأنها لغة كتابهم (القرآن الكريم) ولغة إسلامهم، فاندفعوا في فهم آدابها ومعانيها، ليتذوقوا أدب الآيات القرآنية، ويفهموا معانيها ليتمكنوا من تجسيد تلك المعاني وتصور تلك الأفكار ويلتمسوا الإعجاز في كتابهم ويتعبدوا في تلاوته.
هذه بعض الملاحظات حول أهمية اللغة العربية ومزج هذه الطاقة بالطاقة الإسلامية مما فيها من قوة التأثير والتوسع والانتشار. وما لم يعد المسلمون إلى الاهتمام بشأن اللغة العربية ومزجها بالإسلام فإنه لا أمل يرجى، ولا حتى وقوف التدهور الحاصل،لأنها لغة المسلمين. وستبقى نتائج هذا الفصل بين اللغة العربية والإسلام كابوسا مُطبقاً على المسلمين جميعا، لأن اللغة العربية كما قلنا هي جزء جوهري من الإسلام ولا يمكن فهمه إلا بها. لذلك يقع على عاتق دولة الخلافة الراشدة الثانية القادمة قريبا إن شاء الله أن ترجع للغة العربية مكانتها، وتعيد الاهتمام بها لتعود لغة الأمة الإسلامية جمعاء، وتمزج الطاقة الإسلامية بالطاقة العربية، لتعود للأمة مكانتها وريادتها للعالم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
1448-01-28