مرادفات الخوف في القرآن الكريم وعلاقة ذلك ببلاغته
12 ساعة مضت
المقالات
91 زيارة
عائشة الزعتري – فلسطين
يعد الترادف بين ألفاظ اللغة العربية من صور بلاغتها، ويعرّف أنه ألفاظ مختلفة تدل على ذات المعنى أو على معانٍ متقاربة،أما لغة فهو كما جاء في لسان العرب:”ردف: تبع،وكل شيء تبع شيئاً فهو ردفه، وإذا تتابع شيء خلف شيء فهو الترادف،وفي حديث بدر يقول تعالى:(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)) أي: متتابعين يردف بعضهم بعضاً، أي يأتون فرقة بعد فرقة”، وقيل سميت الألفاظ المختلفة الدالة على ذات المعنى ترادفاً لأنها تتوالى وتتتابع وراء بعضها للدلالة على ذات المعنى.
واختلف العلماء في وجود الترادف في اللغة العربية بشكل عام وفي القرآن الكريم بشكل خاص، فهناك فريق قال بوجوده، وعزى ذلكإلى أسباب منها:اختلاف لهجات اللغة العربيةعند قبائل العرب، حيث تطلق ألفاظ عدة للدلالة على ذات المعنى،ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في الحديث النبوي الشريف الذي رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كانَتِ امرَأتانِ معهُما ابناهما، جاءَ الذِّئبُ فذَهَبَ بابنِ إحداهما، فقالت صاحِبَتُها: إنَّما ذَهَبَ بابنِكِ، وقالتِ الأُخرى: إنَّما ذَهَبَ بابنِكِ، فتَحاكَمَتا إلى داوُدَ، فقَضى به للكُبرى، فخَرَجَتا على سُلَيمانَ بنِ داوُدَ فأخبَرَتاه، فقال: ائتوني بالسِّكِّينِ أشُقُّه بينَهما، فقالتِ الصُّغرى: لا تَفعَلْ يَرحَمُكَ اللهُ، هو ابنُها، فقَضى به للصُّغرى. قال أبو هُرَيرةَ: واللهِ إن سَمِعتُ بالسِّكِّينِ إلَّا يَومَئذٍ، وما كُنَّا نَقولُ إلَّا المُديةَ”فالسكين والمدية لفظان مترادفان كانا يستخدمان في لهجات مختلفة.
وأيضا يرون أن من أسباب وجود الترادف هوإطلاقالعرب صفات على الأشياءفتغلب مع الزمن فتصبح مسميات لها، فمثلاً للسيف مرادفات كثيرة منها:المهند نسبة إلى الهند، والحسامأي الذي يحسم الدم أو العدو، ومن الأمثلة أيضاً على ذلكمرادفات الأسد، حيث بلغ للأسد عشرات الأسماء التي هي بالأصل صفات له، منها: الليث وهو من الشدة والقوة والشجاعة، وغضنفر أي الغليظ والعظيم الخلق،فهذه صفات ونعوت للسيف وللأسد في الأصل، ثم تعارف العرب على أنها أسماء لها.
وآخرون يقولون بعدم وجود ترادف في اللغة، وخاصة في القرآن الكريم، فكل لفظ يطلقعلى مدلولٍما يحمل فرقاً دقيقاً بالمعنى،يزيد أو يختلف به عن الألفاظ الأخرى التي تدل عليه.
لذلك يعرف الترادف أنه ألفاظ مختلفة تدل على ذات المعنى أو على معانٍ متقاربة، لورود الحالتين في اللغة، فمثلاً يرى ابن تيمية أن الترادف في اللغة قد يقع ولكنه قليل، أما فيالقرآن فيكاد يكون معدوماً، فكل لفظ من الألفاظ التي تعتبر مترادفة يؤدي في حقيقته معنىً لا يؤديه غيره بنفس الدقة والبلاغة، ويعتبر هذا من وجوهإعجاز القرآن الكريمالبياني، ومن دقته وبلاغته في الصياغة والتعبير، فيقول في كتابه (مقدمة في أصول التفسير): “فإنَّ الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإمّا نادر وإمّا معدوم، وقلَّأنْ يُعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن”.
وعلى العموم فإن الأخذ بالترادف بين الألفاظ يساعد ويسهل دراسة اللغة والإلمام ببعض جوانبها، وخاصة عند طلاب المدارس والجامعات،والمبتدئين والأعاجم الذين يريدون تعلم العربية، وهو يعين الدارس على إدراك سعة اللغة وغزارة ألفاظها، ويعين على زيادة المخزون اللغوي عنده، ثم إن دراسة الألفاظ المترادفة ودراسة الفوارق الدقيقة بينها يثري قريحة الدارس وينمي إدراكه وفهمه للنصوص، وخاصة القرآن الكريم، حيث يدرك شيئاً أو جانباً حتى لو يسيراً من بلاغة اللغة، وبلاغة القرآن وإعجازه.
والقرآن الكريم بشكل عام فيه من المترادفات الكثير، حيث كل لفظ منهايشير إلى معنىً معينلا يؤديه غيره وإن كانقريباً في أداء المعنى من غيره، وفي مقالنا هذا سنقف عند لفظالخوفومرادفاته في القرآن الكريم.
والخوف في حقيقته مشاعر فطرية خلقها الله في النفس البشرية، فالأمر الفطري الطبيعي عند البشر أنهم يحملون مشاعر الخوف، وهم يجتمعون على الخوف من أمور ويختلفون في أخرى،وقد يقع الخوفعند شخص ولا يكون له داعٍ حقيقي،كأن يكون محض توهم أو حالة في نفسه فيخاف ما لا يُخاف ولا يُخشى.
ومشاعر الخوف كسائر المشاعر الأخرى يمكن للإنسان أن يضبطها بأفكاره ومفاهيمه،فيسعى لتوجيهها وعدمالانقياد لها،والقرآن يؤدب ذلك في المؤمن، فيوجهه لضبط حزنه وفرحه وحبه وكرهه وغضبه وغيرها، وذلك ليدفعه إلى مقام عالٍ أراده رب العزة له،فمثلاً ينهى المسلم عن الخوف من الشيطان وأوليائه،ويأمره بالخوف من الله عزّ وجلّ، مما يؤكد أن المرء يستطيع ضبط خوفه فلا يغلبه، وذلك بما لديه من عقائد ومفاهيم، يقول تعالى في سورة آل عمران: “إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” )١٧٥)فالآية الكريمة تأمر بالخوف من الله وتنهى عن الخوف من أولياء الشيطان، وذلككنتيجةللإيمان، وكمحصلة لمجموعة من التصورات التي يقرها الإيمان في نفس المسلم.
فالخوف عند المؤمن يجب أن يرتبط بمفاهيم تضبطه، ولذلك القرآن الكريم يذّكر المؤمن بالله وصفاته، وباليوم الآخر وأهواله وناره، ويهون في عينيه بطش الناس وطغيانهم، وأنهم لو اجتمعوا على أذيته وضره ما استطاعوا إلا أن يأذن الله بذلك،يقول تعالى في سورة الأنعام:“وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (١٠٧)
ويروي الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ، واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ”.
ويهونالقرآن الكريم كذلك على المؤمنالكثير من المخاوف في هذه الدنيا، وينهاه أيضاً عن الكثير منها، فمثلاً ينهاه عن الخوف على الرزق، أو الخوف من الموت، فهي بأمر الله، وينهاه أن يكون الخوف من الطغاة والأعداء وما يروعون الناس به من قتل واعتقال وتعذيب مدعاة للجبن،كل ذلك من أجل أن يجعل خوف المؤمن من ربهومن عذابه أشد من خوفه مما سواه.
ويجعل القرآن كذلك الخوفَ من الابتلاءات،والتي يختبر فيها المؤمنون في إيمانهم بالله وبقدرته وبقوته وبتدبيره، والتي تحتاج منهم الصبر والمصابرة والاستعانة بالله، يقول تعالى في سورة البقرة: “وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ” (١٥٥)
والخوف لا بد واقع في النفس فهو أمر فطري، ولكنّ الإسلام يطالب المؤمن أن لا يكون هذا الخوف مانعاً له عن طاعة، أو موقعاً له في معصية، والسيرة النبوية الشريفة وسيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تتحدث عن مواقف وقع فيها الخوف في النفوس، ولكنه لم يكن معيقاً للصحابة من مواقف البطولة والعزة التي ترضي الله سبحانه وتعالى، ففي غزوة الخندق عندما حوصرت المدينة، وأُطبق الحصار عليها من الأحزاب، وصف القرآن الكريم الموقف فيسورة الأحزاب:(إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) (10)جاء في تفسير الطبري: ” قوله:(وَإذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ) أي شخصت،وقوله: (وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ) أي نبت القلوب عن أماكنها من الرعب والخوف والفزع فبلغت إلى الحناجر”ولكن الصحابة رضوان الله عليهم بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا في هذه الواقعة، وأظهروا الشجاعة والبطولة في المواقف رغم أجواء الخوف السائدة.
فالإسلام يغرس في نفوس أبنائه الشجاعة ونبذ الجبن، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من أشياء من ضمنها الجبن، فقد أخرج البخاري في صحيحهعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: “كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعَلِّمُنا هؤلاء الكَلِماتِ كما تُعَلَّمُ الكِتابةُ: اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِنَ البُخلِ، وأعوذُ بكَ مِنَ الجُبنِ، وأعوذُ بكَ مِن أن نُرَدَّ إلى أرذَلِ العُمُرِ، وأعوذُ بكَ مِن فِتنةِ الدُّنيا، وعَذابِ القَبرِ”، وأخرج أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “شرُّ ما في رجلٍ شحٌّ هالعٌ وجبنٌ خالعٌ”.
وأمّا خوف المؤمن من ربه فغايته التي ترجى هي التقوى، فلا خير في خوف من الله إذا لم يؤدِّ إلى التقوى، والتقوى لغة كما وردت في لسان العرب: (من وقي، ووقي الشيء أي حفظه وصانه وحماه مما يؤذيه، يقول تعالى: “هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ”، جاء في تفسير الطبري: الله أهل أن يتقي عباده عقابه على معصيتهم إياه، فيجتنبوا معاصيه، ويُسارعوا إلى طاعته، “وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ” أي هو أهل أن يغفر ذنوبهم إذا هم فعلوا ذلك، ولا يعاقبهم عليها مع توبتهم منها)، وجاء في لسان العرب: ( في قوله تعالى: “قالت إِني أَعوذُ بالرحمن منكَ إِن كنتَ تَقِيّاً” تأْويله: إِني أَعوذ بالله منك، فإِن كنت تقيّاً فسَتَتَّعِظ بتعَوُّذي بالله منكَ).
وتقوى الله هي الخوف من الله سبحانه وتعالى الذي يُلزم صاحبه بالعمللاجتناب ما يخافه ويخشاه، أي الخوف الذي يدفع المؤمن للالتزام بأوامر الله واجتناب نواهيه،لذلك عرّف الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه التقوى بأنها: “الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل”، فالتقوى: خوف ورجاء وعمل، وعن طلق بن حبيب: “إذا وقعت الفتن، فأطفئوها بالتقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: هي أن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله رجاءَ رحمة الله، والتقوى ترك معاصي الله على نورٍ من الله مخافةَ عذاب الله”.
وجاءت آيات القرآن الكريم في مواضع كثيرة تقرن بين التقوى والعلم، يقول تعالى في سورة البقرة في مواضع عدة فيها:
(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (194)
(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (196)
(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (203)
(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (223)
(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )(231)
(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (233)
فالقرآن الكريم يعلّم المؤمن ويعرّفه بأحوال كثيرة، كأحوال المؤمن وأحوال الآخرة وغيرها، لتكون هذه المعرفة وهذا العلم دافعاً للتقوى، وذلك إما بترغيبه أو بترهيبه.
اما مرادفات كلمة الخوف في القرآن الكريم فهي متعددة منها:
-
الخشية: الخشية لغة كما جاء في لسان العرب: (الخشية:الخوف، وخشي الرجل يخشى خشية: خاف،وقولهعز وجل: “فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفراً”قال الفراء:فخشينا: فعلمنا، وقال الزجاج: فخشينا من كلام الخضر: كرهنا. وفي حديث خالد: أنه لما أخذ الراية يوم مؤتة دافع الناس وخاشى بهم، أي: أبقى عليهم وحذر فانحاز.)
فالخشية خوف مقرونبحذر واحتراز من وقوع ضرر أو أذى، فيخاف وقوعه فيحذر منه، يقول تعالى في سورة النساء: “وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا” (9)الآية هنا جمعت الخشية والخوف والتقوى، وليخش أي ليخف وليحذر من كان عنده ذرية ضعافاً يخاف عليهم لضعفهم،وليدفعه خوفه وخشيته لتقوى الله بقول القول السديد الصواب، وذلك فيما يتعلق بموضوع الآية الكريمة وهو قسمة مال الميراث.
والخشية كذلك هي خوف مع تعظيم لمن يخشى، يقول تعالى في سورة فاطر: “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ” (28) يقول ابن كثير في تفسيره: (إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم، الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل،وكانت الخشية له أعظم وأكثر.)
إذن الخشية هي خوف مصحوب بحذر واحتراز، ومقرون كذلك بمعرفة قدر وعظمة من يخشى، لذلك يطلب القرآن من المؤمنين الخشية من الله وترك خشية من هم دونه، فهو العظيم المستحق أن يخشى، يقول تعالى في سورة التوبة: “أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” (13) ويقول في سورة البقرة: “فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي” ويقول تعالى في سورة آل عمران: “الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ”(173) فتعظيم المؤمنين لله ولقدره سبحانه يفوق قدر العدو وعدته وعتاده في نفوسهم،فلم تقع لذلك خشية العدو في قلوبهم، بل زاد إيمانهم بالله العظيم الذي تقهر قوته كل قوة.
-
الرهبة:يقول ابن القيم في كتابه مدارج السالكين: (وأما الرهبة فهي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلبالمرغوب فيه.)فالرغبة في الشيء هي الميل إليه والسعي للحصول عليه والتقرب منه، أما الرهبة من الشيء فهي الخوف منه والإعراض والابتعاد عنهبعد زجر وتقبيح له، يقول تعالى: “وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا” يقول ابن كثير في تفسيره: (ويعني بقوله “رَغَباً”: أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه من رحمته وفضله، ويعني بقوله “وَرَهَبا” أي رهبة منهم من عذابه وعقابه، بتركهم عبادته وركوبهم معصيته.)وفي قوله تعالى في سورة الأنفال: “وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ”وإرهاب العدو أي تخويفه.
وقيل أن الرهبة تختلف عن الخوف بأنها حالة يطول وقوعها في نفس صاحبها، ولذلك تسمى حالة الخوف المرضية المزمنة من أمر أو شيء ما عند الإنسان بالرهاب، وأيضاً تسمى في الفكر المعاصر حالة تخويف جماهير الناس من أمر ما على المدى الطويل بالإرهاب. إذن الرهبة: خوف يمتد وقوعه في النفس، ومصحوب بالابتعاد والإعراض وهو ضد الرغبة.
-
الفزع: معنى الفزع في لسان العرب: (الفزع:الفَرَق والذعر من الشيء، وأفزعه: أخافه وروعه، وفزع عنه: كشف عنه الخوف، وقوله تعالى:“وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ”وعدّى فزّع بعن لأنه في معنى كشف الفزع، وفزع إلى القوم: استغاثهم، وفزع إليه: لجأ إليه، وفي حديث الكسوف : “فافزعوا إلى الصلاة” أي الجئوا إليها واستعينوا بها على دفع الأمر الحادث،والفزع أيضا: الإغاثة، قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: “إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع” أي تكثرون عند الإغاثة، وقد يكون التقدير أيضا عند فزع الناس إليكم لتغيثوهم. وأفزعته لما فزع أي أغثته لما استغاث، ففي الحديث:”أنه فزع أهل المدينة ليلاً، فركب النبيصلى الله عليه وسلم فرساً لأبي طلحة عرياً، فلما رجع قال: لن تراعوا، إني وجدته بحراً”ومعنى قوله فزع أهل المدينة أي استصرخوا وظنوا أن عدواً أحاط بهم، فلما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: لن تراعوا، سكن ما بهم من الفزع (
فالفزعيعني الخوف مع طلبللغوث والبحث عن ملجأ ومأمن، وقيل الفزع خوف مفاجئ وشديد يهز النفس،بينما الخوف قد يكون لتوقع حدوث مكروه، وقد سمي يوم القيامة بيوم الفزع الأكبر، حيث يقوم الناس من قبورهم ويبعثون،فيجدون أنفسهم في أهوال يوم القيامة، فيصيبهم الفزع: خوف مفاجئ شديد يهز نفوسهم، فينتشرون كالفراش المبثوث، يودون لو يغاثوا أو يجدوا ملجأً مما هم فيه، إلا من استثناهم الله من ذلك فيجدون غوثاً وملجأً، يقول تعالى في سورة الأنبياء:“لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ” (103)
-
الوجل: معنى وجل في لسان العرب: (الوجل: الفزع والخوف)وقال اللغويون أن الوجل اضطراب القلب نتيجة الخوف، لذلك يسند القرآن الكريم الوجل في أكثر مواضعه إلى القلب، يقول تعالى في سورة الأنفال: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ” (2)
وهو وإن كان الخوف مقره النفس والقلب، ولكن اللغة إذا أرادت أن تسلط على حال القلب من الخوف قالت وجل قلبه، أي خاف واضطرب.
-
الجزع: معنى الجزع في لسان العرب: (الجزع هو الخوف والحزن وقلة الصبر) يقول تعالى في سورة إبراهيم: “قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ۖ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ” (21). ويقول تعالى في سورة المعارج: “إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا” (21)وجزوعاً: لا صبر عنده. إذن الجزع هو الخوف مع عدم الصبر، وقد ورد في القرآن الكريم لذم الكفار، لأن قلة الصبر والحزن على ما يصيب المسلم مذموم.
-
الرعب: معنى الرعب في لسان العرب: (الرعب هو الخوف والفزع). يقول تعالى في سورة آل عمران: “سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ” (151) في تفسير الطبري: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب: سنلقي في قلوبهم الجزع والهلع)والرُّعب هو الخوف الشديد الذي يملئ النفس ويسيطر عليها، وقيل هو أشد الخوف، وفي اللغة: رعبت الحوض أي ملأته، وسمي الخوف الشديد رعباً لأنه يملئ النفس.
-
الروع: معنى الروع في لسان العرب: (الروع هو الفزع، راعني الأمر يروعني أي يفزعني ويخيفني)، ويقول علماء اللغة إن الروع خوف يشوبه مفاجأة وإنكار واستغراب، يقول تعالى في سورة هود: “فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ” (74)أي فلما ذهب عن إبراهيم عليه السلام الخوفُ الذي أوجسه في نفسه من ضيفه،فسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام خاف من ضيفه واستغرب واستنكر عملهم في عدم قبول الطعام.
-
الوجف: له عدة معانٍ، منها سرعة السير كما في قوله تعالى: “فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ”، ومن معانيه أيضاً الخوف كما في قوله تعالى:“قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ”أي قلوب مضطربة تخفق من شدة الخوف.
هذه بعض مرادفات الخوف في القرآن الكريم، وهذا بعض ما قاله اللغويون في معنى الخوف ومرادفاته.
وعند العودة إلى القرآن الكريم، والتمعن في ألفاظه ومرادفاتها،والاستعانة بالتفاسير وما قاله اللغويون،وذلك كمثال على عظيم البلاغة فيه، يلمس المسلم جمال بيان القرآن، ودقة تعبيره، فيعينه على التدبر والفهم. نسأل الله العلم والتفقه في لغتنا وديننا، وأن يكرمنا بدولة الإسلام التي سترعى العلم والمعرفة الإسلامية، وتعالج ضعف اللغة العربية عند جماهير الأمة، فتعيد تدبر القرآن، وتنعش علومه عند أبناء المسلمين، اللهم آمين.
1447-12-26