العدد 474_475_476 -

السنة التاسعة والثلاثون، رجب – شعبان – رمضان 1447هـ الموافق كانون الثاني – شباط – آذار 2026م

إبستين وإيران وتوقيت الضربة

كيف يُقرأ التلاقي بين الأزمة الداخلية والقرار الإستراتيجي؟

القراءة المهنية لهذه اللحظة لا تحتمل تبسيطًا من نوع: “أمريكا تُقاد بالكامل من (إسرائيل)”، كما لا تحتمل في المقابل إنكار أثر أدوات الضغط والتأثير المؤيدة لكيان الاحتلال داخل واشنطن. الأدقّ أن نقول: هناك هرمية مصالح تقودها الولايات المتحدة، وفي داخل هذه الهرمية تعمل شبكات ضغط وتحالفات وأجهزة وتقاطعات استخباراتية وسياسية تدفع بعض الخيارات إلى الواجهة عندما تخدم المصلحة الأمريكية أيضًا. وفي هذا الإطار تحديدًا، يمكن فهم الربط بين أزمة ملفات إبستين وبين توقيت التصعيد ضد إيران، لا بوصفه تفسيرًا وحيدًا، بل بوصفه عاملًا سياسيًا ضاغطًا ومسرّعًا في لحظة قرار شديدة الحساسية.

أولًا، من الناحية الداخلية الأمريكية، لم تبق ملفات إبستين مجرد مادة أرشيفية أو “فضيحة قديمة”. تقارير رويترز بيّنت أن الإفراجات المتتابعة عن ملايين الوثائق جعلت القضية مشكلة سياسية مستمرة لترامب، وأنها تحولت إلى ملف ثقة عام يتعلق بعلاقة السلطة بالنخب وبفكرة الإفلات من العقاب. كما أظهر استطلاع Reuters/Ipsos أن نسبة كبيرة من الأمريكيين رأت في هذه الملفات دليلًا على أن الأقوياء غالبًا لا يُحاسَبون، وأن القضية أثّرت في الثقة بالقيادات السياسية والاقتصادية. هذا يعني أننا أمام ملف لا يهدد السمعة فقط، بل يضغط على بيئة الشرعية السياسية نفسها.

وفي السياق ذاته، زاد التوتر السياسي عندما اتهم نائب ديمقراطي بارز وزارة العدل بحجب مقابلات FBI مرتبطة باتهام موجّه لترامب ضمن ملف إبستين، مع تأكيد رويترز أن جهات إنفاذ القانون لم تتهم ترامب جنائيًا في هذا الملف، وأن الوزارة نفسها قالت إنها تراجع ما إذا كانت بعض المواد قد حُجبت خطأً. هذه النقطة مهمة جدًا: لأنها تجعل المسألة سياسية عالية الحساسية حتى في غياب إدانة قضائية، وتفتح الباب لاتهامات “التغطية” وازدواجية المعايير، وهي البيئة المثالية لاحتدام الصراع الإعلامي والحزبي.

لكن هل يعني ذلك مهنيًا أن الضربة على إيران كانت “مجرد” صرف انتباه عن إبستين؟ هنا يجب ضبط التحليل. الأدبيات الإستراتيجية حول ما يسمى نظرية الإلهاء الخارجي (DiversionaryTheory)  وتأثير الالتفاف حول العلم( ( Rally round the flag تقول إن القادة قد يجدون في الأزمات الخارجية فرصة لإعادة ترتيب المجال السياسي الداخلي أو رفع كلفة خصومهم، لكن هذه الأدبيات نفسها تؤكد أن الأمر ليس قاعدة حتمية، وأن الأدلة التجريبية مختلطة، بل إن بعض الدراسات شككت في شيوع هذا النمط بالشكل الذي يتخيله الخطاب العام. بمعنى آخر: الفرضية موجودة ومعتبرة في علم السياسة، لكن لا يجوز تحويلها تلقائيًا إلى “حكم إثبات” في كل حرب أو ضربة.

ما نستطيع قوله بدرجة أعلى من المهنية هو الآتي: ملفات إبستين خلقت ضغطًا داخليًا حقيقيًا، وهذا النوع من الضغط يجعل أي إدارة أكثر حساسية لإدارة الأجندة الإعلامية والسياسية؛ لكن قرار الضربة على إيران -بحسب تقارير رويترز- كان أيضًا محكومًا بمنطق إستراتيجي/استخباراتي خاص به: إحاطات لترامب وصفت العملية بأنها “عالية المخاطر/عالية العائد”، مع حديث عن فرصة نادرة لإحداث تحول جيوسياسي يخدم المصالح الأمريكية، وتقديرات تتعلق بمخاطر القواعد الأمريكية والرد الإيراني وخيارات “تغيير” موازين المنطقة.

 هذا يضعنا أمام تداخل بين دافع داخلي ودافع إستراتيجي، لا أمام تفسير أحادي، بل إن بعض ما نشرته رويترز يضعف رواية “الإلهاء الصرف” من حيث الأصل؛ إذ أظهرت التغطية أن ترامب كان قد بدأ علنًا تهيئة الرأي العام لاحتمال ضرب إيران قبل الضربة بعدة أيام، في خطاب حالة الاتحاد، بينما كان الحشد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط يطغى أصلًا على المشهد السياسي.

 أي إن خيار التصعيد لم يولد فجأة من رحم أزمة إعلامية، بل كان موجودًا على الطاولة ومسبوقًا ببناء عسكري وخطاب سياسي، ثم جاء التنفيذ في لحظة عملياتية ملائمة. هذا لا ينفي أثر إبستين على التوقيت السياسي والتسويق الداخلي، لكنه ينفي -أو على الأقل يضعف- القول بأنه السبب الوحيد أو التفسير الكامل.

وهنا نصل إلى نقطة مهمة: أمريكا لا تتعامل مع (إسرائيل) بوصفها صاحب القرار الأعلى في كل الملفات. العلاقة أقرب إلى شراكة إستراتيجية غير متكافئة: الولايات المتحدة هي القوة الكبرى التي تحدد سقف اللعبة وفق مصالحها الكلية، بينما تمارس (إسرائيل) نفوذًا معتبرًا -سياسيًا واستخباراتيًا ومؤسساتيًا- في الملفات التي تتقاطع مع تلك المصالح.

تقارير ودراسات إستراتيجية (مثل CSIS وCFR) تتحدث أصلًا عن “شراكة إستراتيجية” تخدم مصالح الطرفين، وعن وجود لحظات تباعد وتوتر في الرؤى بين واشنطن وتل أبيب، لا عن علاقة تبعية ميكانيكية من أمريكا للكيان الصهيوني.

والأمثلة العملية على ذلك واضحة: رويترز وثقت أن إدارة بايدن أوقفت شحنات ذخائر معينة دولة الاحتلال بسبب مخاوف من عملية رفح، كما وثقت لاحقًا أن جهات أمريكية قيدت/أوقفت مؤقتًا مشاركة بعض المعلومات الاستخباراتية مع (إسرائيل) قبل استئنافها بعد الحصول على ضمانات.

 هذا يثبت أن واشنطن -عندما ترى أن مصلحتها أو حساباتها القانونية/الإستراتيجية تقتضي- تضغط، وتقيّد، وتفرض شروطًا، حتى على أقرب حلفائها. وبالتالي فالصياغة الأدق ليست “(إسرائيل) تُسيّر أمريكا”، بل: (إسرائيل) تملك أدوات فعالة للتأثير داخل القرار الأمريكي، لكنها تنجح أكثر حين تدفع باتجاه خيار ينسجم أصلًا مع المصلحة الأمريكية المتصورة.

ومن هنا يمكن فهم مثال إيران: ضرب إيران -خصوصًا إذا قُدِّم داخل واشنطن بصفته فرصةً لإضعاف بنية الحكم أو هندسة بيئة انتقالية أكثر قابلية للاحتواء الأمريكي، فيغدو النظام الإيراني البديل عميلا تابعا بدلا من دولة تدور في الفلك- ليس مصلحة (إسرائيلية) فقط، بل يمكن أن يُسوَّق داخل المؤسسة الأمريكية بوصفه خيارًا أمريكيًا لإعادة تشكيل التوازن الإقليمي. رويترز نقلت بالفعل أن إحاطات ترامب تضمنت تصورًا لعائد جيوسياسي يخدم المصالح الأمريكية، كما نقلت أن توقيت الضربة ارتبط بمعلومة استخباراتية حول اجتماع قيادي حساس داخل إيران، وهو ما يجعل التنفيذ في تلك اللحظة نتيجة تلاقٍ بين «النافذة الاستخباراتية» و«القرار السياسي».

أما أثر ملفات إبستين هنا، فالطرح المهني الأقوى ليس أنها صنعت القرار من الصفر، بل أنها قد تكون ساهمت في جعل البيت الأبيض أكثر استعدادًا لأن يدفع بخيار صدامي قائم أصلًا، أو أكثر حرصًا على أن يعيد ترتيب المشهد العام باتجاه ملف أمني/خارجي في لحظة كان فيها ملف إبستين يضغط على صورة الإدارة وثقة الجمهور.

هذا التوصيف ينسجم أيضًا مع تقارير رويترز التي أظهرت أن الضربة نفسها خلقت انقسامًا داخل قاعدة ترامب (MAGA)، وأنها ليست «ورقة مضمونة» انتخابيًا؛ أي إن القرار حمل مخاطر داخلية كذلك، ما يذكّرنا بأن منطق الإلهاء -evenwhenpresent – قد يرتد على صاحبه إذا طال أمد الصراع أو تعاظمت كلفته.

الخلاصة: إذا أردنا بناء حجة قوية ومهنية، فعلينا أن نتجنب المبالغة في ادعاء علاقة سببية قاطعة بين فضائح إبستين وضرب إيران من دون دليل مباشر منشور. لكن من المشروع، بل ومن المهم أن نقول إن أزمة إبستين صنعت ضغطًا سياسيًا وإعلاميًا حقيقيًا، وإن هذا النوع من الضغط يؤثر في حسابات التوقيت وإدارة الأجندة، خاصة عندما يتزامن مع فرصة استخباراتية وخيار إستراتيجي ترى فيه واشنطن مكسبًا لمصالحها الكبرى. وفي هذا الإطار، تكون (إسرائيل) فاعلًا شديد التأثير داخل المشهد، لا بوصفها «القائد الأعلى» لواشنطن، بل بوصفها شريكًا قادرًا على توجيه الزخم وتسريع القرار عندما تتقاطع وجهة الدفع (الإسرائيلية) مع المصلحة الأمريكية كما تراها المؤسسة الحاكمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *