ربيع الأمة القادم… من الثورة إلى الخلافة
ساعتين مضت
المقالات
24 زيارة
الأستاذ جمال الخميسي – ولاية اليمن
إن المتأمل في حال الأمة الإسلامية اليوم، وحال العرب خصوصاً، بعد فشل الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي، يدرك تماماً أن الموجة الثانية قادمة لا محالة، وأن الأرض تغلي تحت أقدام الطغاة، لكن هذه المرة بشروط أقوى، ووعي أعمق، وسخط أشد.
فالعوامل التي أدت لانفجار الثورات الأولى، لا تزال قائمة، بل تضاعفت سوءاً، والأنظمة التي تشكلت بعد إجهاض الثورات ليست سوى أنظمة أوهن من بيت العنكبوت، قائمة على الخيانة والتبعية للغرب، والظلم والقمع.
فلو تأملنا مصر لوجدنا أن نسبة البطالة قد ارتفعت وأن الدين الخارجي قفز من 34.9 مليار دولار (14.9% من الناتج المحلي) في عهد مبارك، إلى أكثر من 88.1 مليار دولار (36.8%) في عهد السيسي. ارتفعت البطالة، وانتشر الفقر، وامتلأت السجون بعشرات الآلاف من المظلومين، بينما ينعم حفنة من الفاسدين بثروات البلاد.
وفي ليبيا جرى تقسيم البلاد، وإغراقها في الاقتتال، وتشريد أهلها، وتدمير بنيتها، حتى أصبحت مرتعاً للتدخل الدولي والارتزاق السياسي.
وفي تونس، انقلب النظام على من قبلوا حتى بالحلول الديمقراطية، وأعاد البلاد إلى عهد الدكتاتورية البوليسية متحدياً للناس لا يأبه بهم ولا بمعاناتهم.
أما اليمن والسودان، فقد تمزقتا شر ممزق، وتقاسمهما النفوذ الإقليمي والدولي، وتفاقم فيهما الفقر والدمار والتهجير. وما زالت الدماء تسفك ليل ونهار.
وفي الشام، قلب الثورة النابض، نجح الغرب عبر أدواته، وعلى رأسهم «جولاني أردوغان العرب»، في حرف بوصلة الثورة من المطالبة بإقامة الخلافة وتطبيق الإسلام، إلى مجرّد تغيير وجوه، فأنشأوا حكومة عميلة أكثر تبعية وانبطاحاً للغرب.
لكن رغم هذا الظلام، فإن الأمة لم تمت، ولن تموت، فما زال فيها رجال مخلصون، وشباب مؤمن، ونساء صابرات، ينادون: «هي لله، لا للسلطة ولا للجاه».
إن الموجة القادمة لن تكون كما سبقها، فهي هذه المرة ليست مجرد حراك عابر أو صرخة غضب مؤقتة، بل هو زلزال حقيقي يضرب أركان الأنظمة الجبرية العميلة التي حكمت الأمة بالحديد والنار لعقود طويلة. أنظمة تُركت على عروشها بعد أن هُدمت الخلافة، ومُكّنت من أعناق الشعوب بصفقات دولية وتدخلات استعمارية، لا تعرف من الإسلام إلا اسمه، ولا من الحكم إلا قمعه. فكل هذه الأنظمة اليوم تترنح، وتتهاوى تحت ضربات الواقع، فقد تكشفت عورتها أمام شعوبها، وأمام الأمة كلها، ومما زاد هذا الانكشاف تعريةً ووضوحاً، عملية طوفان الأقصى، التي أسقطت آخر أوراق التوت عن خيانة الأنظمة، وكشفت خذلانها للمسجد الأقصى وللقضية المركزية للأمة، والناس اليوم ليسوا بحاجة لدليل، فقد رأوا الخذلان الرسمي العربي بأم أعينهم، وسمعوا الصمت القاتل، بل ورأوا التآمر العلني من بعض الحكام على الأقصى وغزة، حتى صار التشكيك في خيانة هؤلاء ضرباً من العمى القلبي.
والأمة اليوم تغلي؛ فالأزمات تتراكم، والظلم يتضاعف، والجوع يزداد، والخوف من الغد ينهش قلوب الناس، وما هي إلا لحظات تاريخية قريبة حتى ينفجر صبر الشعوب، ليس بثورة تقليدية، بل بموجة جديدة أشد وأنضج وأوعى من سابقاتها، فالأمة أدركت أن سبب ما تعيشه من نكسات ومصائب وأزمات، هو استبدال أحكام الكفر الغربية بالإسلام واستيراد الديمقراطية والعلمانية كنظام حكم واقتصاد واجتماع، وفرضها بالقوة والمكر والخداع على رقاب المسلمين.
لقد قام الاستعمار، بعد هدم الخلافة، بنشر ثقافته من خلال الإعلام والتعليم، وبزرع حكام عملاء ومشايخ مضبوعين بالغرب، يفتون بما يرضي الطاغوت ويضللون الأمة باسم الإسلام. وجعلوا من الديمقراطية وثناً جديداً، يزعمون أن الفساد ليس منها، بل من التطبيق! وهذا كذب وتضليل، فالديمقراطية في أصلها تشريع من دون الله، وهي تناقض العقيدة الإسلامية وأحكام الشريعة.
لهذا، فإن التغيير الجذري الجاد لا يكون إلا بوضوح الهدف والوسيلة؛ فالهدف إقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، والوسيلة هي العمل السياسي الواعي والصراع الفكري والكفاح السياسي لإقامة حكم الإسلام كاملاً، بعد أن أدرك الجميع أن أصل الفساد الذي استشرى في كل جوانب الحياة، إنما يعود في المقام الأول إلى فساد نظام الحكم، فقد كان الحد الفاصل الذي مكّن أعداء الإسلام من التحكم بمصير الأمة، هو إسقاط الخلافة عام 1342هـ. ومنذ ذلك الحين، أصبح الإسلام غريباً عن أنظمة الحكم، ومغيباً من حياة الناس.
وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا، حين قال: «لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الإِسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّما انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيها، فَأَوَّلُهُنَّ نَقْضاً الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلاةُ» فمتى ترسخ هذا الفهم في عقول أبناء الأمة، تولد عندهم وعي عام بأن واقعنا الحالي ليس إسلامياً لا في أنظمته، ولا في ثقافته، ولا في قيمه، بل هو واقع مفروض من الغرب الكافر المستعمر، يناقض الإسلام من الجذور.
وعند هذه النقطة، يتغير مسار التفكير، فلا يبقى الناس ينخدعون بتغيير الأسماء والوجوه، بل يدركون أن التغيير الحقيقي يجب أن يكون جذرياً، لا تجميلياً، فليس المقصود بـ«إقامة الإسلام» رفع بعض الشعارات أو تطبيق بعض الأحكام داخل واقع فاسد، بل المقصود اقتلاع جذور الفساد وتغيير الواقع برمّته وفق منهج الإسلام.
من هنا، يجب أن يكون واضحاً أن المعركة التي تخوضها الأمة معركة تامة شاملة في جميع أبعادها، فالحل الجذري لا يكون إلا بثورة على أساس الإسلام، تخلع حكام الخزي والعار من الجذور، وتعيد الأمة إلى مركز قيادتها للبشرية.
وهنا، لا مكان لليائسين، ولا للمرجفين، ولا لأصحاب النظر السطحي، الذين يشكلون عائقاً أمام أي نهضة حقيقية. فإن الأمة الآن تمر بمخاض تاريخي، وتحتاج إلى رجال ونساء يحملون وعياً سياسياً شرعياً، يَفهمون الواقع ويقودون الأمة ببصيرة وصدق، لا يُزيّنون الباطل ولا يُهادنون الظالمين، بل يثبتون على طريق التغيير الحقيقي، فلا يصلح أن يقود الثورة من يجعل سقف تطلعاته ما يسمح به الغرب، أو من يختزل مشروعه في إصلاح النظام بدل اقتلاعه، فالثورة القادمة، إذا أريد لها أن تُحقق التغيير الحقيقي وتُنقذ الأمة مما هي فيه، يجب أن تكون ثورة وعي لا مجرد انفجار غضب، ثورة يقودها رجال يحملون رؤية موحّدة وجامعة، ومشروعاً حضارياً متكاملاً ينبثق من العقيدة الإسلامية، ويقوم على فهم دقيق لواقع الأمة وطبيعة الصراع.
فهؤلاء الرجال لا بد أن يملكوا خططاً واضحة للانتقال من واقع الأنظمة الوضعية العميلة، ومن الحكم الجبري المظلم، إلى تطبيق شرع الله في ظل الخلافة على منهاج النبوة، في أقصر مدة ممكنة، حتى لا يحصل فراغ سياسي تستغله قوى الكفر كما حصل في الموجة الأولى من الثورات. فاستمرار الدوران في حلقة «ثورة – وتغيير شكلي – وإحباط – ثم ثورة من جديد»، لن يحقق للأمة عزّتها، بل سيُكرّس واقعها البائس، ما لم تتغيّر آلية التفكير نفسها، فالمشكلة الكبرى ليست في الإخلاص، فأمة الإسلام مخلصة، لكن ما طُبّق عليها من أفكار مستوردة أفسد إدراكها، حتى صارت تجعل الواقع مصدراً للتشريع، وليس العقيدة الإسلامية.
فالصراع اليوم ليس صراعاً وطنياً قطرياً محدوداً كما يزعمون بل هو صراع حضاري بين أمة الإسلام والغرب الكافر المستعمر. ومن لا يدرك هذه الحقيقة، فلن يكون أهلاً لقيادة التغيير.
فمن لا يحمل مشروعاً كاملاً مستنداً إلى القرآن والسنة، ومن لا يتحرك بعزيمة المؤمنين، وبثقة لا تزعزع أن الله ناصر هذا الدين، فلن يقيم ديناً، ولن يحرر أرضاً، ولن يُخرج الأمة من ظلمات الرأسمالية إلى نور الإسلام.
ونحن في حزب التحرير قد نذرنا أنفسنا لتحكيم شرع الله وإقامة الخلافة، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا في الصف الأول من هذا الصراع المصيري، صراع لتحرير وعي الأمة، وردّها إلى هويّتها الإسلامية الجامعة وتذكير أبنائها بجذورهم الإسلامية الأصيلة، بعد أن شوهتها قرون من الاستعمار، والغزو الثقافي والفكري، من حملة صليبية، واحتلال بريطاني فرنسي، وهيمنة أمريكية شرسة.
ونسأل الله أن يكون الهدف الأول للثورة القادمة إزالة كل ما علق في أذهان أبناء الأمة من شرعية الواقع الجاهلي المعاصر، الذي بُني بعد إسقاط الخلافة وهدمِ دار الإسلام وطمسِ شريعة رب العالمين، فلقد تحوّل الإسلام خلال مائة سنة ونيف إلى دينٍ كهنوتي معزول، بعد أن كان دين حكم وتشريع، يُسيّر الحياة كلها، يحكم السياسة والاقتصاد والمجتمع، ويقود البشرية نحو النور.
يا أبناء الإسلام: إن الإسلام لا يصلح لترقيع الرأسمالية، ولا لتلميع وجهها القبيح، فوظيفة الإسلام ليست التكيّف مع الظلم، بل اجتثاثه من جذوره. فوظيفة الإسلام هي نقل البشر من ظلمات الرأسمالية إلى نور الإسلام، ومن جورها وجرائمها إلى عدل الإسلام وأمانه. فالإسلام جاء لينقل البشرية من جور الأنظمة الوضعية إلى عدل الشريعة، من عبودية الإنسان لأخيه الإنسان، إلى عبودية الله وحده لا شريك له، هذا هو الإسلام الذي نريد أن نُقيمه، الإسلام الذي يحكم العالم، لا الذي يُستضعف في زاوية.
فكونوا أنصار هذا الدين، وكونوا مع من يعمل لإعادته إلى مكانه الصحيح: قائداً للبشرية لا تابعاً، حاكماً لا محكوماً، عزيزاً لا ذليلاً، فلا خلاص للأمة إلا بخلافة تجمع شتاتها، وتعيد سلطانها، وتطبق شريعتها، وتحمل رسالتها إلى العالم. وقد وعدنا الله سبحانه بذلك: (إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ)، ونصرة الله تكون بنصرة دينه، وتحكيم شرعه، وإقامة دولته، وإنّا على يقين، بإذن الله، أن الربيع القادم هو ربيع الخلافة، (وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ).
(وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا).
1447-09-25