العدد 473 -

السنة التاسعة والثلاثون جمادى الآخرة 1447هـ الموافق كانون الأول 2025م

تفكُّكُ سلاسلِ التوريدِ ونهايةُ العولمة

الأستاذُ نبيل عبد الكريم

منذ عقودٍ شكَّلت العولمةُ الاقتصاديةُ الإطارَ العامَّ الذي تدورُ داخله حركةُ التجارةِ العالمية، حيث اتَّسعت شبكاتُ الإنتاج عبر القارات، وارتبطت المصانعُ والموانئُ والمورِّدونَ بسلاسلِ توريدٍ معقَّدةٍ تمتدُّ من شرقِ آسيا إلى أوروبا وأمريكا.

تُعَدُّ العولمةُ من أبرزِ الظواهرِ التي شكَّلت ملامحَ العالمِ الحديث، إذ أسهمت في تحويلِه إلى ساحةٍ مترابطةٍ تتفاعلُ فيها الدولُ والمجتمعاتُ بصورةٍ غيرِ مسبوقة؛ فليست مجرَّدَ انتقالٍ للسلعةِ أو الأفكارِ عبرَ الحدود، بل هي عمليةٌ متكاملةٌ تشملُ الاقتصادَ والثقافةَ والسياسةَ والتكنولوجيا، وتؤثِّر في أسلوبِ حياةِ الأفرادِ وأنماطِ إنتاجِ الدولِ وتوازناتِ القوَّةِ الدولية.

ومع أنَّ هذا المصطلحَ برز بقوَّةٍ في العقودِ الأخيرة، فإنَّ جذورَه التاريخيةَ تمتدُّ إلى قرونٍ بعيدة؛ بدأتْ مع الاكتشافاتِ الجغرافيةِ الكبيرة، وتطوَّرت مع الثورةِ الصناعية، ولكنَّها برزت بشكلِها الحالي بعد الحربِ العالميةِ الثانية، وتسارعت مع ثورةِ الاتصالاتِ والإنترنت. ومن خلالِ فَهْمِ نشأةِ العولمةِ وتطوُّرِها يمكن فَهْمُ كيف تغيَّر العالم، ولكن أوَّلًا سنعرِّج على الفرقِ بين العولمةِ قبلَ الحربِ العالميةِ الثانية وبعدَها.

فقد كانت العولمةُ قبلَ الحربِ العالميةِ الثانية عولمةً تجاريةً واستعمارية، ومرتبطةً بالتوسُّعِ الاستعماريِّ الأوروبي، حيث سيطرتِ الدولُ الكبرى على المستعمرات، واستغلَّتْ مواردَها، وأقامتْ شبكاتٍ تجاريةً عالميةً غابتْ عنها المؤسَّساتُ الدولية، وكانت محدودةً وغيرَ مستقرة، وكان الاعتمادُ على القوَّةِ لا على القانون؛ حيث تمَّت السيطرةُ على طرقِ التجارةِ بالقوَّةِ العسكرية، ولم يكن للتكنولوجيا أثرٌ يُذكَر، وكان الاقتصادُ متمركزًا حولَ أوروبا، والباقي إمَّا تابعٌ وإمَّا مُستَعمَر.

أمَّا بعدَ الحربِ العالميةِ الثانية، فأصبحت العولمةُ أكثرَ تنظيمًا عبر مؤسَّساتٍ دوليةٍ كبرى (الأممُ المتحدة، صندوقُ النقدِ الدولي، البنكُ الدولي، منظمةُ التجارةِ العالمية لاحقًا)، وعليه ظهرتْ شركاتٌ عالميةٌ كبرى تعمل في عشراتِ الدول، مثل: (كوكاكولا، مايكروسوفت، … إلخ)، وطبْعًا جميعُ هذه الشركاتِ هي شركاتُ الدولِ الكبرى المهيمنةِ على العالم، وبذلك تحوَّلت أوروبا من مستعمِرٍ إلى شريك.

وبعد سقوطِ الاتحادِ السوفيتي والتطوُّرِ التكنولوجيِّ الكبير، وظهورِ الشركاتِ متعدِّدةِ الجنسيات، والعولمةِ الرقمية (منصاتُ تواصلٍ عالمية، تدفُّقُ المعلومات، التجارةُ الإلكترونية، … إلخ)، أصبحَت العولمةُ أكثرَ شمولًا وتأثيرًا في حياةِ الأفرادِ اليومية. وللأسف كانت صاحبةَ اليدِ الطُّولى اليومَ في الأزمات، نذكرُ منها – على سبيلِ الذكرِ لا الحصر:

أصبحَ الترابطُ الاقتصاديُّ العالميُّ – بشكلٍ مُبالَغٍ فيه – شبكةً واحدةً؛ وهذا الأمرُ له إيجابياتٌ، لكنه يعني أنَّ أيَّ أزمةٍ صغيرةٍ يمكن أن تنتشرَ بسرعةٍ كبيرة؛ مثل: (أزمةِ الرهنِ العقاري في أمريكا 2008، وانهيارِ البنوكِ في أوروبا، والبطالةِ في آسيا… وغيرها كثير)، أي إنَّ هذا التشابكَ جعل العدوى الاقتصاديةَ سريعةً جدًّا.

انتقالُ الأزمةِ الماليةِ عبر رأسِ المالِ المنتقِلِ سريعًا، حيث تتحرَّك ملياراتُ الدولاراتِ عبر الحدود في دقائق، وهذا جعل أسواقَ المالِ لا تعتمد على الإنتاجِ الحقيقيِّ بل على توقُّعاتٍ سريعةِ التقلُّب، ممَّا يُسهِّل الهروبَ المفاجئَ لرؤوسِ الأموال، وسقوطَ عملاتِ دولٍ خلالَ يومٍ واحد، وانهيارَ أسعارِ السِّلَعِ أو الطاقةِ بشكلٍ مفاجئ، وهذا كلُّه لم يكن ممكنًا قبل هذه العولمة.

الاعتمادُ المُفرِط على سلاسلِ الإمدادِ العالمية؛ وهذا جعل العالمَ هشًّا جدًّا؛ لأنه أصبح مُجزَّأً عبر دولٍ: الموادُّ الخامُّ من بلد، والتصنيعُ في بلدٍ، والتجميعُ في آخر، والتوزيعُ لشركاتٍ حصرية… إلى آخره. وهذا جعل إغلاقَ ميناءٍ في الصين يؤدِّي إلى نقصِ بضائعَ في أوروبا، وأزمةً في دولِ الطاقةِ تُوقِفُ مصانعَ في آسيا، وحربًا في أوكرانيا تُسبِّب تضخُّمًا عالميًّا في الغذاءِ.

العولمةُ أحدثت أزمةَ هويةٍ وصراعاتٍ فكريةٍ من خلال: (السينما، الإعلام، الإنترنت)، وكلُّها بيدٍ واحدة؛ فقد فُرِضتْ ثقافةٌ وقيمٌ جديدةٌ على مجتمعاتٍ ذاتِ هويَّةٍ خاصَّة، وعُكِّر صفوُ هذه الهويَّة. إنَّ الانحلالَ الأخلاقيَّ الذي نعاني منه اليوم ليس حادثًا عرضيًّا، بل هو نتيجةُ بنيةٍ كاملةٍ تصنعُها العولمةُ الثقافيةُ والإعلاميةُ التي تنشرُ الفرديةَ المطلقة، والتحرُّرَ من الضوابطِ الدينيةِ والعادات، وهي التي جعلت الجسدَ سلعةً، واعتمدتِ اللذَّةَ غايةً. وهذا ما صمَّمه الغربُ لغزوِ العالم؛ فأنشأ منصاتٍ عدَّة، منها: نتفليكس، وهوليوود، ومشاهيرُ مؤثِّرون في الفساد، ومنصاتٌ كثيرة جعلتِ الإباحيةَ صناعةً عالمية، وكلُّ منصاتِ التواصلِ الاجتماعي… إلخ.

كلُّ هذا كان يصبُّ في خزائنِ الفائزين؛ الدول الغنيَّة، والشركات العملاقة، والمراكز المالية، على حسابِ الدولِ الفقيرةِ والطبقةِ المتوسطةِ والفقيرةِ في كلِّ العالم، ما أدَّى إلى ظهورِ انقساماتٍ اجتماعيةٍ عاليةٍ جدًّا.

إنَّ هذا الانفتاحَ عبرَ العولمةِ أحدث خللًا يعاني منه العالمُ اليوم، وصولًا إلى الحالةِ التي وقع فيها العالمُ لتلبيةِ أطماعِ فئةٍ قليلةٍ ممن يتحكَّمون بالعالم اليوم، ويسعون إلى الوصول – عبر العولمة – إلى إنتاجِ إنسانٍ موحَّدِ السلوكِ والقيم، ثقافتُه الاستهلاك، ويستهلكُ نفسَ المنتج، ويعيشُ نمطًا اقتصاديًّا واحدًا هو الرأسماليةُ الليبرالية، ويدينُ «دينًا» موحَّدًا يُطلِقُ الفرديةَ والحريةَ بلا قيود، ويعتمدُ الانحلالَ الخُلُقي والتحرُّرَ من النصِّ والتقليد، وفصلَ الروحِ عن المجتمع.

إنَّ دولَ العالمِ تلاحظُ أثرَ العولمةِ عليها، ولذلك بدأتِ الدولُ في إعادةِ تقويمِ العولمة، وخاصةً بعد تعرُّضِ العالمِ لأزماتٍ مثل: الأزمةِ الماليةِ العالميةِ عامَ 2008، وانقطاعِ سلاسلِ الإمدادِ أثناءَ كورونا، والحربِ الأوكرانية، والتوترِ الجيوسياسي بين الصينِ وأمريكا، وبين روسيا والناتو.

لذلك بدأت هذه الدولُ تحاولُ اتخاذَ إجراءاتٍ معيَّنة، وبدأت ببناءِ نفوذٍ اقتصاديٍّ إقليميٍّ مثل: الآسيان، وبريكس بنسختِه الإقليمية، واتفاقياتِ شرقِ أفريقيا. وهذه الإقليمياتُ تحاول أن توفِّر سرعةَ النقل – أي جغرافيا قريبة – واستقرارًا أمنيًّا وسياسيًّا، وتكامُلًا صناعيًّا أسهل.

وقد رأينا اليومَ – في ولايةِ ترامب الأخيرة – أنَّه وضع تعريفاتٍ جمركيةً كبيرةً تحدُّ من العولمةِ التجارية، ويسعى لنقلِ صناعاتِ الرقائقِ من آسيا إلى أمريكا والمكسيك، ويعمل على إنشاءِ سلاسلَ لمعالجةِ المعادنِ النادرة، وعدمِ الاعتمادِ على الصين، ويحاول إعادةَ الشركاتِ الكبرى من آسيا إلى أمريكا؛ وذلك بتقديمِ تسهيلاتٍ كبيرةٍ إذا عادوا، وفرضِ عوائقَ عظيمةٍ على منتجاتِهم إذا كانت من خارجِ البلاد، وذلك لعلمِهم أنَّ زمنَ العولمةِ قد بدأ بالأفول. وعلى الدولِ التي تريدُ الخروجَ من هذه العولمة أنْ تنتقلَ إلى التموضعِ الإقليمي، والعملِ على ما يلي، بشكلٍ مختصرٍ:

١- وضعُ سياسةٍ حمائيةٍ للبلادِ ومنتجاتِها.

٢- بناءُ أمنٍ غذائيٍّ داخليٍّ وإقليميٍّ.

٣- تنويعُ مصادرِ الطاقةِ داخلَ المنطقةِ أو الإقليم.

٤- إنشاءُ تحالفاتٍ ماليةٍ ونقديةٍ إقليمية.

وغيرُها من بنودٍ قد تُساعِدُ الدولَ على الخروجِ من العولمة.

والذي سوف يُسرِّع في انهيارِ هذه العولمةِ وزوالِها واحدٌ ممَّا يلي: أزمةٌ ماليةٌ تضربُ النظامَ الدولي، وفقدانُ الثقةِ بالعولمةِ الشاملة، والانتقالُ إلى التحالفاتِ الإقليمية. وتعزيزُ الأمنِ الاقتصاديِّ والغذائيِّ الإقليمي، وتقليلُ الاعتمادِ على الدولارِ وسلاسلِ الإمدادِ البعيدة. وتشكيلُ نظامٍ عالميٍّ متعدِّدٍ بدلَ نظامٍ عالميٍّ واحد.

وهذه الأحداثُ تكونُ عادةً طبيعيةً في دورةِ التاريخ، وحالةِ التدافعِ وسننِ الكون؛ فبعد العلوِّ الكبيرِ للعولمة تأتي مرحلةُ الانكماشِ الإقليمي ثم الانهيار، وإعادةُ بناءِ توازنٍ جديد.

لذلك فإنَّ عودةَ الإسلامِ بوصفه مبدأً إلى سيادةِ العالمِ أمرٌ حتميٌّ وقريبٌ، إن شاء الله نُسْرِعُ في قدومِه، ويجبُ على المسلمين في كلِّ بقاعِ العالمِ التنبُّهُ إلى أنَّ الفرصةَ اليومَ كبيرةٌ مع هذه التقلُّباتِ والانهيارات، ورغمَ ما نعانيهِ من هجماتٍ شرسةٍ على بلادِ المسلمين، فهذا دليلٌ على أنَّ الحلَّ البديلَ يكمنُ في ربوعِ هذه البلاد، وما يحملُه شعبُها من عقيدةٍ سليمةٍ ربانيةٍ هي الوحيدةُ التي تصلحُ لحُكمِ العالم.

فيا أيها المسلمون، إنَّ اللهَ حبانا بخيراتٍ كثيرةٍ، وموقعٍ مميَّز، ووعدَنا بأكثرَ من ذلك إنْ أقمْنا شرعَه باستئنافِ الحياةِ الإسلامية؛ فسوف تُخرِجُ الأرضُ كنوزَها، وتُرسِلُ السماءُ خيراتِها. ولهذا الأمرِ تنبَّه الشيخُ الجليل، العالمُ الأزهري، المجتهدُ المطلق تقيُّ الدين النبهاني – رحمه الله – وبدأ بإنشاءِ حزبِ التحرير، الذي يُعدّ اليومَ الجهةَ الوحيدةَ التي تعملُ لاستئنافِ الحياةِ الإسلاميةِ بطريقةٍ من جنسِ الفكرةِ، دونَ التلوُّثِ بهوى الرأسماليةِ وأدواتِها.

وبجهودِ مَن خلفَه أصبح مشروعُ الأمَّة جاهزًا للتطبيقِ بأدقِّ تفاصيلِه، وشبابُه يعملون ليلًا ونهارًا لاغتنامِ الفرصةِ، ولفتِ نظرِ أهلِ القوَّة، وبإذنِ الله حين يأذنُ اللهُ فإنهم جاهزون.

فيا مُخلِصي هذه الأمَّة من شعوبٍ وأهلِ قوَّةٍ، غذّوا السير مع هذا الحزبِ لنصلَ سويًّا إلى إعادةِ الخلافةِ الراشدةِ إلى مكانتِها الحقيقية، وإضاءةِ العالمِ بنورِ الإسلام. قال عزَّ وجلَّ:

(يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا ١٧٤ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ١٧٥)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *