مواجهة تحيز وسائل الإعلام الغربية
يوم واحد مضت
المقالات
120 زيارة
الأستاذ موجيانتو
لأكثر من عام استمرت هجمات جيش الاحتلال على قطاع غزة، ولا توجد إلى الآن أية مؤشرات على انتهاء الحرب، بل إن جيش الاحتلال واصل قصف كل شيء، سواء كانت الأهداف مستشفيات أو مرافق عامة، دون أن يبالي بالضغوط الدولية لوقف الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
وبذريعة الرد على الهجوم الذي شنه مقاتلو حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، هاجمت قوات يهود غزة، وقتلت أكثر من 48 ألف شهيد في حرب وحشية، وتحولت منطقة شمال قطاع غزة إلى منطقة مدمرة بالكامل تقريباً حتى كادت أن تسوّى بالأرض، وفقد أهلها منازلهم وأجبروا على الفرار إلى منطقة جنوب غزة.
ولم يكتف جيش يهود بشن هجمات عسكرية، بل حظي أيضاً بدعم الإعلام الغربي. وكما هو معلوم فإن هذه الرؤية الإعلامية لا تزال تشكل مرجعاً للجمهور العالمي حتى الآن وتؤثر على تصور المجتمع العالمي لما حصل تأثيرا كبيرا.
التحيز المقصود
وفي قضية هجوم جيش يهود على غزة في فلسطين، فإن موقف الإعلام الغربي واضح للغاية، حيث إنهم وقفوا خلف جيش يهود. وقال أستاذ القانون فيصل كوتي في مقال له نشر على موقع middleeasteye.net(24/2/2024): “إن الإعلام الغربي عزز منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الكراهية ضد العرب والدعاية المؤيدة لإسرائيل وتبرير جرائم الحرب”.
ونقلاً عن كتاب Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media dan The Political Economy of Human Rights, من تأليف إدوارد إس هيرمان ونعوم تشومسكي، قال فيصل: “إن وسائل الإعلام في الولايات المتحدة تعمل كمؤسسة مبدئية أي أيديولوجية فعالة لنشر مصالح أصحاب السلطة من خلال آليات الإقناع والرقابة الذاتية الخفية”.
ويؤكدون أن هذا واضح بشكل خاص في القضايا التي تنطوي على مصالح اقتصادية وسياسية أميركية مهمة، حيث تعمل وسائل الإعلام في كثير من الأحيان كوكالات دعاية للدولة.
ويؤيد هذا الواقع التعليمات المسرّبة التي أصدرتها الإعلامية الشهيرة “نيويورك تايمز \ The New York Times“لصحافييها الذين يغطون الحرب اليهودية على فلسطين إلى الجماهير، وفي نسخة من المذكرة التي حصل عليها موقع ذا إنترسبت (The Intercept)، وجد أن صحيفة نيويورك تايمز منعت صحافييها من استخدام مصطلح “الإبادة الجماعية”و”التطهير العرقي”في الحرب التي وقعت على قطاع غزة، كما وجهوا تعليماتهم بتجنب استخدام عبارة “الأراضي المحتلة”في وصف الأراضي الفلسطينية.
ومن تلك المذكرة عرف أن صحيفة التايمز أصدرت تعليمات للصحفيين بعدم استخدام كلمة “فلسطين”في تقاريرهم الإخبارية إلا في حالات نادرة للغاية. ومع أن الوثيقة في ظاهرها قدمت على أنها مخطط لموقف الصحيفة حفاظا على المبادئ الصحفية الموضوعية عند عرض حرب غزة، فقد جمع موقع “ذا إنترسبت”آراء العديد من موظفي الصحيفة، والتي يقدم محتواها دليلاً على تحيز الصحيفة تجاه الدعاية اليهودية.
وعرف أن هذا الدليل تم توزيعه لأول مرة على الصحفيين في نوفمبر 2023 واستمر تحديثه بانتظام. وهذا نوع من المبادئ التوجيهية (guidelines) أو شكل من أشكال العرض الداخلي لطريقة تفكير محرري صحيفة تايمز الدولية كي يلتزمها صحافيوها.
وقال تشارلي ستادتلاندر المتحدث باسم صحيفة التايمز، يوم الاثنين (15 أبريل 2024):”إن إصدار إرشادات مثل هذه لضمان الدقة والاتساق والوضوح في كيفية تغطيتنا للأخبار هو ممارسة قياسية عادية، فمن خلال إعداد تقاريرنا، بما في ذلك الأحداث المعقدة مثل هذا، نحرص على ضمان أن تكون اختياراتنا اللغوية حساسة وحديثة وواضحة لجمهورنا”.
وفعلا كل مؤسسة صحفية لديها معايير في إنتاج أخبارها، لكن هذا المعيار يصبح غريباً عندما يطبق على العنف الذي يرتكبه جنود كيان يهود وحدهم، وخاصة عندما يريد المجتمع العالمي الحصول على معلومات حقيقية.
ويرى فيصل أن اختيار وسائل الإعلام الغربية للكلمات يعكس تحيزا في التقارير وميولا إلى الانحياز لكيان يهود. فعلى سبيل المثال، عندما يكون هناك ضحية وفاة يهودية يقال قد قُتل، وإن كان فلسطينياً يقال قد توفي. إن استعمال هذا المصطلح مليء بالمعنى. وتشير وسائل الإعلام الغربية إلى الأطفال “الإسرائيليين”باعتبارهم “أطفالاً”أو “رهائن”، لكنها تشير إلى الأطفال الفلسطينيين باعتبارهم “قاصرين”و”سجناء”.
وقال أستاذ القانون هذا: “تكاد جميع وسائل الإعلام الغربية الكبرى تنشر الكراهية عن قصد أو عن غير قصد، والتحريض على الإبادة الجماعية، وروايات نزع الصفة الإنسانية، وتبرير جرائم الحرب، والدعاية اليهودية والتضليل”. في هذه الأثناء، نشرت منظمة “الإنصاف والدقة في إعداد التقارير (Fairness and Accuracy in Reporting)”تقريراً بعنوان “الصحف الرائدة حرفت نقاش غزة نحو وجهات النظر اليهودية والحكومية (“Leading Papers Skewed Gaza Debate Toward Israeli and Government Perspectives”)”. تلك الدراسة ركزت على صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست (New York Times dan Washington Post)، ووجدت أنه على الرغم من الجهود المبذولة لإدخال الأصوات الفلسطينية، فإن محرري الرأي حرفوا نقاش غزة نحو منظور يركز على كيان يهود وأعطوا صوتا واسع النطاق لمسؤولي الحكومة.
وخلص تقرير آخر صادر عن موقع “ذا إنترسبت”إلى أن الصحف الأميركية الكبرى أولت أهمية غير متناسبة للوفيات اليهودية في ذلك الصراع، واستخدمت لغة عاطفية لوصف الضحايا (الإسرائيليين) دون الضحايا الفلسطينيين، وغطت أعمال معاداة السامية في الولايات المتحدة، بينما تجاهلت إلى حد كبير العنصرية ضد المسلمين بعد السابع من أكتوبر.
في الرابع من فبراير/شباط، نشرت صحيفة الجارديان (The Guardian) تقريرا استقصائيا عن جهد متعمد من جانب كبار قادة شبكة سي إن إن (CNN) لتثبيت نبرة مؤيدة لكيان يهود. وقد ثبت ذلك على أرض الواقع من خلال اعترافات عشرة صحفيين قاموا بتغطية الحرب في غزة لصالح اثنتين من شبكات الأخبار الرائدة في العالم، سي إن إن، وبي بي سي (CNN & BBC).
وكشفوا عن العمليات الداخلية لغرف الأخبار في كلتا الوسيلتين الإعلاميتين منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 والتحيز المزعوم لصالح كيان يهود والمعايير المزدوجة المنهجية والانتهاكات المتكررة للمبادئ الصحفية أثناء التغطية. وفي إحدى الحوادث على شبكة CNN، بُثت دعاية يهودية كاذبة على الرغم من التحذيرات المسبقة من قبل هيئة التحرير، وتم الكشف عن قضية التغطية من قبل الصحفيين في برنامج “The Listening Post”على قناة الجزيرة، وهو برنامج أسبوعي يشرح عالم الإعلام، من أجل الفيلم الوثائقي “غزة الفاشلة: خلف عدسة وسائل الإعلام الغربية (“Failing Gaza: Behind the Lens of Western Media“.)”.
وقال مراسل شبكة CNN، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إنه قبل هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت لديه ثقة كبيرة في الممارسات الصحفية في مكتبه، ولقد فقدت هذه الثقة بعد هجمات 7 أكتوبر 2023م حيث دعمت أخبار CNN الدعاية اليهودية بشكل كامل.
وقد وقعت حادثة محرجة بشكل خاص في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عندما انضم محرر الشؤون الدبلوماسية الدولية في شبكة CNN، نيك روبرتسون، إلى جنود كيان يهود لزيارة مستشفى الرنتيسي للأطفال الذي تعرض للقصف في غزة، وقال المتحدث العسكري دانييل هاجاري إنه عثر داخل المستشفى على أدلة تشير إلى أن حماس تستخدم المستشفى لإخفاء سجناء يهوديين، وأظهر المتحدث العسكري لروبرتسون وثيقة معلقة على الحائط مكتوبة باللغة العربية، وقال إنها تحتوي على قائمة بأعضاء حماس الذين يشرفون على الأسرى، وقال هاجاري لروبرتسون: “”هذه قائمة الحراسة، وكل إرهابي يأتي دوره”.
وقال الصحافي إن “هذه ليست قائمة حماس على الإطلاق، بل كانت عبارة عن تقويم، وكانت أيام الأسبوع مكتوبة باللغة العربية”، لكن التقارير الصادرة عن نيك روبرتسون ابتلعت ادعاءات كيان يهود.
والأسوأ من ذلك، كما قال المراسل، أن المزاعم اليهودية رفضها الناطقون باللغة العربية على وسائل التواصل الاجتماعي قبل بث تسجيلات CNN، ووفقًا للعديد من صحفيي CNN ومحادثات واتساب الداخلية التي شاهدتها الجزيرة، فقد أخبر منتج فلسطيني زملاءه بالفعل، بما في ذلك روبرتسون، ولكن تم تجاهلهم. وبعد بث التقرير على شاشة التلفزيون، حاول منتجون آخرون إصلاحه قبل نشره على الإنترنت، ولكن نيك لا يهتم بآراء زملائه.
وأضاف المراسل أنه في الآونة الأخيرة، عندما أعلن مسؤولو الصحة في غزة أن الهجمات اليهودية قتلت أكثر من 40 ألف شخص، وأمر مدير تحرير شبكة CNN مايك مكارثي فريقه بوضع حماس في سياقها ومحاسبتها. وفي حين كانت مذيعة شبكة CNN بيكي أندرسون تطلع المشاهدين على آخر التطورات في أغسطس/آب الماضي، قالت في برنامجها الإخباري: “تقول وزارة الصحة في غزة إن أكثر من 40 ألف فلسطيني قتلوا منذ مذبحة السابع من أكتوبر/تشرين الأول التي نفذتها حماس في إسرائيل والتي أشعلت شرارة الحرب”. ولم يكتف المذيع بذلك بل قال إن شبكة CNN لم تتمكن من التأكد من عدد الضحايا. ويقول خبراء بارزون إن هذا الرقم ربما يكون أقل من الواقع.
لا يقتصر الأمر على وسائل الإعلام الأمريكية فحسب، بل إن وسائل الإعلام البريطانية الرائدة، كهيئة الإذاعة البريطانية BBC هي كذلك أيضا. فكانت نتائج أخبار موقعDrop site newsالسبت (28/12/2024)، تكشف عن دور محرر هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”رافي بيرج الذي كان يملك سيطرة شبه كاملة على التغطية الإعلامية البريطانية عبر الإنترنت للحرب “اليهودية”على غزة، وحرص على نقل جميع الأحداث بصورة مؤيدة لـ(إسرائيل) تحيزا منه لها.
وبحسب موقع دروب سايت نيوز (Drop Site News )، الذي تحدث إلى 13 من موظفيه الحاليين والسابقين، فإن تغطية هيئة الإذاعة البريطانية للأحداث تسيء باستمرار إلى حياة الفلسطينيين، وتتجاهل الفظائع اليهودية، وتخلق تكافؤًا زائفًا في صراع غير متكافئ تمامًا. وقال صحفي آخر في هيئة الإذاعة البريطانية إن بيرج لعب دورا رئيسا في ثقافة “الدعاية اليهودية المنهجية”الأوسع نطاقا في هيئة الإذاعة البريطانية.
وفي إحدى الحالات قلل بيرج من أهمية اتهامات منظمة العفو الدولية “لإسرائيل”بارتكاب إبادة جماعية في غزة، وقال إن (إسرائيل) ترفض ادعاء الإبادة الجماعية “المفبرك”، لوصف تقرير منظمة العفو الدولية، ولم تنشر القصة لمدة 12 ساعة بعد كتابتها للحد من انتشارها على الإنترنت.
وأشار الصحفيون الذين أجرى موقع Drop Site مقابلات معهم إلى أن تقرير منظمة العفو الدولية لم يُتناول في برامج الأخبار الرئيسية لهيئة الإذاعة البريطانية:News At One أو News At Six أو News At Ten على قناة BBC One أو برنامج الشؤون الجارية الرئيسي، Newsnight على قناة BBC Two.
واستخدمت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أيضًا العبارات المخففة التي يفضلها جيش يهود لإخفاء جرائم الحرب التي ارتكبها جنوده. فعلى سبيل المثال، تصف هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) التهجير القسري أو التطهير العرقي للمدنيين الفلسطينيين بـ”الإخلاء”.
وفي إحدى الحالات، وصفت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) حصار كيان يهود الشامل لقطاع غزة بعنوان يقول: “إسرائيل تنوي قطع العلاقات مع غزة بعد الحرب مع حماس”.
وفي كندا، الوضع ليس أفضل. فلقد وثقت منظمة “كنديون من أجل العدالة والسلام في الشرق الأوسط”\ Canadians for Justice and Peace in the Middle East (CJPME), The Breach, dan Toronto Metropolitan University’s School of Journalism (CJPME)، ومنظمة The Breach، وكلية الصحافة بجامعة تورنتو متروبوليتان (Toronto Metropolitan University’s School of Journalism) الكثير من الأمثلة على التحيز المؤيد لكيان يهود في المجال الإعلامي الكندي. وتظهر الأبحاث أن قناة CTV حظرت استخدام كلمة “فلسطين”وعززت “ثقافة الخوف”التي قمعت التغطية النقدية لكيان يهود.
لقد تعرضت هيئة الإذاعة الكندية CBC منذ فترة طويلة لانتقادات بسبب حظرها استخدام كلمة “فلسطين”. ومؤخرا، منعت هيئة الإذاعة الكندية موظفيها من مشاركة معلومات حول الحرب في غزة على وسائل التواصل الاجتماعي. يتعارض هذا مع سياسة CBC الأوسع نطاقًا فيما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي، والتي تسمح بمشاركة المعلومات “خارج نطاق الصحافة إذا لم تكن القصة أو المقالة متاحة على CBC.ca وكان المصدر موثوقًا”.
ومن الأمثلة على التحيز في تغطية هيئة الإذاعة الكندية CBC العنوان المأساوي للطفلة الفلسطينية هند رجب: “بعد أيام من طلبها المساعدة، تم العثور على جثتها في سيارة في مدينة غزة، بحسب أقاربها (Days after she called for help, girl’s body found in car in Gaza city, relatives say.)”. هذا العنوان يجعل الأمر يبدو وكأن الطفلة البالغة من العمر ست سنوات قد تم العثور عليها ميتة. وفي الواقع، قُتلت على يد قوات الاحتلال اليهودي مع أفراد عائلتها ومسعفين أُرسلا لإنقاذهم.
وكشف أيضا تقرير آخر صادر عن The Breach عن رد هيئة الإذاعة الكندية (CBC) على شكوى قدمها أستاذ متقاعد جيف وينش إلى لجنة الإذاعة والتلفزيون والاتصالات الكندية (CRTC). وزعمت هيئة الإذاعة الكندية (CBC) أن المصطلحات الأكثر عاطفية وإثارة للتعاطف لا تنطبق على الوفيات الفلسطينية لأن كيان يهود نفذ عمليات القتل “من بُعد”وليس بشكل مباشر.
وفيما يلي بعض عناوين الأخبار التي تظهر تحيز وسائل الإعلام الأمريكية لصالح كيان يهود. “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها (Israel’s Right to Defend Itself)”، وول ستريت جورنال(The Wall Street Journal) (10/10/2023)، الذي يؤكد على حق كيان يهود في الدفاع عن نفسه بعد هجمات حماس، مع التركيز على التهديدات التي يواجهها كيان يهود وتبرير عمله العسكري؛ “الرد العسكري الإسرائيلي على حماس: إجراء ضروري (Israel’s Military Response to Hamas: A Necessary Action)”، ونيويورك تايمز (10/12/2023) الذي يناقش الرد العسكري على حماس، مع تسليط الضوء على الحاجة إلى حماية المواطنين اليهود ووقف الهجمات الصاروخية من غزة؛ “فهم الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في غزة (Understanding Israel’s Military Strategy in Gaza)”، وصحيفة واشنطن بوست (The Washington Post) (15/10/23) التي تحلل الإستراتيجية العسكرية اليهودية في غزة، مع التركيز على جهودها لتدمير البنية التحتية لحماس وحماية المدنيين اليهود؛ “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس في مواجهة هجمات حماس (Israel’s Right to Self-Defense Amid Hamas Attacks)”، ويو إس إيه توداي (USA Today) (18/10/2023)، يبحث في حق كيان يهود في الدفاع عن النفس في مواجهة هجمات حماس، مع التركيز على شرعية أعماله العسكرية؛ “العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة: رد مبرر (Israel’s Military Operations in Gaza: A Justified Response)”، ولوس أنجلوس تايمز (20/10/2023)، يناقش العمليات العسكرية اليهودية في غزة كرد مبرر على التهديدات من حماس، مع التركيز على ضرورة حماية المدنيين اليهود.
وفي نفس الوقت، فعلت وسائل الإعلام البريطانية الشيء نفسه: “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها (Israel’s Right to Defend Itself)”، وصحيفة التايمز (10/10/2023) تؤكد على حق كيان يهود في الدفاع عن نفسه بعد هجمات حماس، مع التركيز على التهديدات التي يواجهها الكيان وتبرير عمله العسكري؛ “الرد العسكري الإسرائيلي على حماس: إجراء ضروري (Israel’s Military Response to Hamas: A Necessary Action)”، وصحيفة الجارديان (The Guardian) (10/12/2023) تناقش الرد العسكري من قبل يهود على حماس، وتسلط الضوء على الحاجة إلى حماية المواطنين اليهود ووقف الهجمات الصاروخية من غزة؛ وتحللت صحيفة الإندبندنت (The Independent) (15/10/2023) الاستراتيجية العسكرية اليهودية في غزة، مع التركيز على جهودها لتدمير البنية التحتية لحماس وحماية المدنيين اليهود؛ وتناقش صحيفة التلغراف (18/10/2023) أن حق “إسرائيل”في الدفاع عن نفسها في مواجهة هجمات حماس، مع التركيز على شرعية عملها العسكري: “الحملة العسكرية الإسرائيلية ضد حماس: شر لا بد منه (Israel’s Military Campaign Against Hamas: A Necessary Evil)”، وأيضا صحيفة “الصن (The Sun)” (22/10/2023) تناقش الحملة العسكرية اليهودية ضد حماس باعتبارها إجراءً ضروريًا لضمان الأمن القومي “الإسرائيلي”، وإن كان ذلك مع إدراك تأثيرها على المدنيين الفلسطينيين: “العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة: رد على الإرهاب (Israel’s Military Actions in Gaza: A Response to Terrorism)”، وصحيفة الديلي ميل (The Daily Mail) (25/10/2023) تسلط الضوء على العمليات العسكرية اليهودية في غزة رداً على الإرهاب الذي تمارسه حماس، مع التركيز على الجهود الرامية إلى وقف الهجمات الصاروخية.
ويبدو أن الأخبار التي تظهر تحتوي على محتوى متشابه تقريبًا. كلها تشرع تصرفات الكيان اليهودي في الهجوم على غزة دون إعطاء أدنى فكرة عن أوضاع فلسطين والمواطنين المحتلين.
تقييد منصات التواصل الاجتماعي
لم يكتف حكام المنصات الرقمية باللعب في وسائل الإعلام التقليدية فحسب، بل قدموا الدعم أيضًا لهذا الكيان اليهودي، ففرضت مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ويوتيوب وإنستغرام قيودا صارمة على المحتوى الذي يتضمن دعما لفلسطين. فممنوع علنا رفع الدعم لفلسطين على شكل كتابات أو صور أو مقاطع فيديو. وكان التهديد هو أن يقوم مسؤولو المنصة بإزالة المحتوى على الفور تحت ذرائع مختلفة مثل “دعم الأعمال العنيفة”؛ “دعم الجماعات الإرهابية (حماس)”، “انتهاك قواعد المجتمع”، وما إلى ذلك.
وبناءً على تحليل شامل لبيانات فيسبوك، وجدت هيئة الإذاعة البريطانية BBC أن وسائل الإعلام في غزة والضفة الغربية شهدت انخفاضًا حادًا في التفاعلات مع المستخدمين الفلسطينيين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. ووجدت وكالة الأنباء عددًا من الوثائق الداخلية من إنستغرام -شركة أخرى تابعة لشركة ميتا- التي أظهرت زيادة في أنشطة الاعتدال على التعليقات لتعليقات المستخدمين الفلسطينيين بعد أكتوبر 2023. وقالت شركة ميتا – التي تملك فيسبوك – إن الاستنتاج القائل بأنها قمعت عمداً بعض الروايات كان “خاطئاً للغاية”.
الصورة الحقيقية
إن تحيز وسائل الإعلام الغربية تجاه احتلال كيان يهود لفلسطين يظهر الطبيعة الحقيقية لوسائل الإعلام السائدة. يقول المفكر والناقد الاجتماعي الأمريكي نعوم تشومسكي إن وسائل الإعلام، على الرغم من ادعائها بالموضوعية، تتأثر دائمًا بالمصالح السياسية والاقتصادية والأيديولوجية. وفي كتابه “تصنيع الموافقة (Manufacturing Consent)”، يكشف كيف تعمل وسائل الإعلام كأداة في يد القوى الاقتصادية والسياسية لتشكيل الرأي العام، بدلاً من نقل المعلومات بشكل موضوعي.
في هذه الأثناء، أكد إدوارد هيرمان، الذي تعاون مع نعوم تشومسكي في كتابه “تصنيع الموافقة”، أن وسائل الإعلام ليست محايدة على الإطلاق. وبحسب قوله فإن وسائل الإعلام تتأثر بمصالح اقتصادية وسياسية كبرى، ولذا فهي تقدم أخبارا تتناسب مع أجندة معينة، وليس معلومات موضوعية تماما.
ومن المثير للاهتمام ما قاله جلين جرينوالد (Glenn Greenwald)، الصحفي ومؤسس موقع The Intercept، حيث انتقد وسائل الإعلام التي تدعي الموضوعية، لكنها في كثير من الأحيان تعمل كأداة دعائية تدعم القوة السياسية والاقتصادية. كما سلط الضوء على كيفية قيام وسائل الإعلام الكبرى في كثير من الأحيان برقابة أو التقليل من أهمية القصص التي تتعارض مع مصالحها. لذا فإن وسائل الإعلام الغربية السائدة مليئة بالأجندات. وخلفها تكمن مصالح الدول الكبرى في تحقيق مصالحها. فوسائل الإعلام هي أداة لتشكيل المفاهيم وتوجيه وجهة نظر الجمهور.
توفر وسائل التواصل الاجتماعي
ولحسن الحظ، في خضم هذا التحيز الإعلامي، هناك وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك أن مواقع وسائل التواصل الاجتماعي أمر بالغ الأهمية في معركة الأفكار فيما يتعلق بتغطية الأخبار للصراعات مثل الحرب بين كيان يهود وحماس، حيث توفر مساحة للأفراد والجماعات والمنظمات للتعبير عن آرائهم بشكل مباشر، دون أن يكونوا مرتبطين بأجندة أو تحيز أي طرف من وسائل الإعلام السائدة.
وتعمل وسائل التواصل الاجتماعي كقوة موازنة ضد التحيز الموجود عادة في وسائل الإعلام السائدة، مما يوفر فرصة لسماع الأصوات المهمشة في السابق، على الرغم من أنها تفرض أيضًا تحديات من حيث الدقة وانتشار المعلومات غير المؤكدة.
إن وجود وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يوفر معلومات بديلة خارج وسائل الإعلام الرئيسية، وخاصة فيما يتعلق بتأثير الحرب على المدنيين الفلسطينيين، فبفضل سهولة الوصول إلى مجموعة متنوعة من مصادر المعلومات، يمكن للأفراد والجماعات من فلسطين وأولئك الذين يدعمونهم التعبير عن قصصهم دون الاعتماد على وسائل الإعلام الغربية التي غالبا ما تكون متحيزة لصالح كيان يهود.
ومن ناحية أخرى، يمكن للأخبار والصور التي يتم مشاركتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن تنتشر بشكل أسرع وأوسع نطاقا من وسائل الإعلام التقليدية. على سبيل المثال، يمكن للصور ومقاطع الفيديو التي تظهر العنف ضد الفلسطينيين أو هجمات حماس الصاروخية على كيان يهود أن تثير ردود فعل عالمية، وتغير تصورات الجمهور، وتزيد الضغوط على الحكومات أو وسائل الإعلام الرئيسية لتوفير تغطية أكثر توازناً، ومع وجود وسائل التواصل الاجتماعي، سوف تفكر وسائل الإعلام الرئيسية مرتين قبل نشر أخبار كاذبة.
وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة قياس، بمعنى أنها توفر فرصة للتحقق من الأخبار من وسائل الإعلام الرئيسية والرد عليها في الوقت الحقيقي. مع وجود منصات مثل إكس أو إنستغرام أو يوتيوب، يمكن للأشخاص انتقاد أو دحض الروايات التي تعتبر متحيزة بشكل مباشر. على سبيل المثال، إذا أوردت وسائل الإعلام الرئيسية تقريراً عن هجوم يهودي باعتباره “جهداً دفاعياً”دون الإشارة إلى تأثيره على المدنيين الفلسطينيين، فإن مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يمكنهم بسرعة مشاركة المعلومات أو الأدلة التي تظهر الخلل في التقارير.
وليس أقل أهمية من ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون أداة فعالة لإجراء الحملات والاحتجاجات والمقاطعات ضد الشركات أو وسائل الإعلام التي تعتبر متحيزة، حتى ضد سياسات الدولة التي تدعم الكيانات اليهودية. على سبيل المثال، أصبحت حركة #FreePalestine شائعة جدًا على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، مما أثر على الرأي العام وحتى سياسات الحكومة أو وسائل الإعلام. وكثيرا ما يُنظر إلى مثل هذه الأنشطة باعتبارها وسيلة لمواجهة سيطرة وسائل الإعلام الكبرى التي تميل إلى دعم كيان يهود. ويمكن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا أداة لحشد الجمهور للقيام بشيء ما.
الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي
سواء أدركنا ذلك أم لا، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تجلب الكثير من الفوائد من حيث توفير معلومات بديلة، ولكنها أصبحت أيضًا حاضنة للمعلومات المضللة والدعاية، وهذه هي التأثيرات السيئة التي يجب تجنبها.
ومن المؤكد أنه بفضل قوة وسائل التواصل الاجتماعي، يستطيع المسلمون عرض الأحداث من موقعها وتقديم المنظور الصحيح، مما يقلل الاعتماد على وسائل الإعلام السائدة. من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح لدى الجميع القدرة على مشاركة آرائهم وإلهام الآخرين، حتى بدون وجود منصة إعلامية كبيرة. وهذا يسمح بظهور المزيد والمزيد من وجهات النظر المتنوعة، مما يعاكس الرواية التي تبنيها وسائل الإعلام السائدة.
ومن خلال استغلال وسائل التواصل الاجتماعي، من الممكن تشكيل شبكة تضامن دولية، تدعم النضال الفلسطيني أو تطالب بتغييرات في السياسات الخارجية للدول المختلفة تجاه فلسطين. يمكن أن تساعد هذه الشبكات في زيادة الوعي بشأن الظلم الذي يحدث والضغط على الحكومات أو الشركات لتغيير سياساتها. وبالنسبة للمسلمين، تعتبر هذه الشبكة قوة ضغط فضلاً عن كونها تشكل روابط الوحدة الإسلامية.
ومع ذلك، فإن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في “حرب الآراء”لمواجهة تحيز وسائل الإعلام الغربية، وخاصة فيما يتعلق بالصراعات مثل الصراع في فلسطين، يجب أن يتم بشكل إستراتيجي، وكان الهدف هو تقديم الحقائق الصحيحة للجمهور، وبناء الوعي، والتأثير على الرأي بشكل فعال.
تتضمن هذه الأساليب الإستراتيجية تقديم حقائق مؤكدة (صور مرئية، رسوم بيانية، بيانات إحصائية)؛ وبناء سرد متوازن ومبني على الحقائق؛ واستخدام الهاشتاجات والحركات الاجتماعية؛ ونشر المحتوى من مصادر موثوقة؛ ناقد لمصادر الأخبار السائدة؛ واستخدام منصة أكثر موثوقية؛ والتعاون مع المؤثرين والناشطين لنشره على نطاق أوسع وبسرعة أكبر. إذا لزم الأمر، استخدام منصات بديلة أقل تحكمًا مثل Telegram أو Mastodon أو مجموعات WhatsApp.
2025-04-02