النظام السوري وهزيمة العلمانية وإنجاز عملية التغيير وإعادة الخلافة الراشدة
يوم واحد مضت
المقالات
177 زيارة
أحمد معاز – سوريا
لقد شكّل سقوط النظام السوري البائد علامة فارقة في تاريخ الأمة الإسلامية، وأثبت أن معية الله مع المظلومين دائمة، وأن ثورات المسلمين لم تمت، وأن مشروع التغيير الذي نهض له أبناء الأمة لإعادة الإسلام إلى الحياة واستئناف تبليغ رسالته للعالم لم يتوقف، رغم التكالب المستمر لوقف تمدده وإطفاء جذوته في سياق التدافع الحضاري مع المبدأ الرأسمالي المادي الذي أهلك الحرث والنسل، ولا سيّما أن سوريا هي أحد بلدان بلاد الشام قلب العالم، وما يحدث فيها منذ سنوات من صراع يمثّل صراعا حضاريا بين الأمة الإسلامية الساعية لاستعادة دورها ودولتها وبين قوى الاستعمار العالمي الرأسمالي ودوله، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ولا شك أن سقوط هذا النظام يمثّل خطوة مهمة على طريق التغيير الذي حصل بتدخل رباني أكرم الله به المسلمين المستضعفين في الشام، والذين تكالب عليهم القريب والبعيد والصديق المزعوم قبل العدو. وكان الثبات الأسطوري طوال أربع عشرة سنة علامة فارقة في الصراع، انتهت مرحلة مهمة منه بخروج إيران ونفوذها بشكل سريع ومذل لم يكن أحد يتصوره، وبهزيمة حزب إيران اللبناني وخروجه من ساحة الصراع العسكري. وهما، أي إيران وحزبها اللبناني، شكّلا رأس حربة وأداة مهمة في محاربة مشروع الأمة الإسلامية التي تسعى من خلاله لاستعادة سلطانها وإقامة دولتها.
إن إسقاط الأدوات العسكرية الأبرز في مواجهة ثورة الشام المباركة ستكون له تبعات عظيمة على المنطقة، خصوصا أن الثورة في سوريا كانت ثوابتها واضحة محددة في الدعوة لإسقاط النظام وإقامة الخلافة على أنقاضه، ما أقض مضجع العالم كله، فاستنفر جميع قواه للكيد لها وللوقوف في وجهها، واستعمل أقذر الأدوات لمحاربتها عسكريا، عبر الحشد الطائفي الذي كان له بالغ الأثر على الثورة. كما كان للنظام التركي الذي يسير سياسيا في الفلك الأمريكي دور كبير، وخاصة بعد السيطرة على قرار الثورة.
فالنظام التركي تدخّل في سوريا بتوجيهات ودفع من أمريكا للسيطرة على قرار الثورة، حتى لا تتفلت وتنقلب على الإرادة الدولية وقراراتها، ولحماية العلمانية من السقوط في الشام، بالمكر والخداع، بعد فشل الدور الإيراني العسكري.
وقد كان لمناطق خفض التصعيد ولمخرجات المؤتمرات الدولية الأثر الكبير على تراجع ثورة الشام، واستطاعت إيران وروسيا السيطرة على حلب عام 2016م وما تبع ذلك لاحقا من انهيارات وتسليم مناطق في الغوطة وحمص ودرعا، وآخرها ريف حماة الشمالي وريف إدلب الشرقي أواخر عام 2019م، وما رافق ذلك من جرائم ومجازر لم يعبّر سجن صيدنايا إلا عن جزء بسيط منها. وقد اعترف بوتين لاحقا بأنه ما كان لهم استعادة حلب لولا صديقه أردوغان الذي لم ينبس ببنت شفة، والواقع أصدق إنباء من الكتب والتصريحات، وقد بقي أردوغان لآخر لحظة حتى قبيل انطلاق معركة ردع العدوان يدعو بشارع لزيارة تركيا وتنفيذ القرار 2254 الذي يضمن الحفاظ على النظام العلماني في سوريا. وقد أبرزت معارك (ردع العدوان) تجذر الثورة في نفوس أبنائها الذي انطلقوا مجاهدين يدكون فلول النظام البائد المتهالكة، لتكون نهاية المعركة سقوط النظام البائد وزوال عقود من الظلم والطغيان والإجرام الذي لم يشهد له التاريخ مثيلا.
ويقرر الكثيرون أن نتائج المعارك كانت أكبر مما خُطط له، وهذا من فضل الله عز وجل الذي بارك في بطولات المجاهدين الصادقين. وكما يظهر فإن النظام التركي حريص على استمرار علمانية الدولة في سوريا بعد سقوط النظام المجرم، من خلال التوجيهات والنصائح التي يقدمها للإدارة الجديدة في دمشق، وكل ذلك خشية من التوجه الإسلامي لمجاهدي ثورة الشام ومشروع الخلافة في سوريا الذي كان ولا يزال يُقلق دوائر القرار في أمريكا وتسعى للقضاء عليه بأي طريقة ممكنة، خصوصا بعد أن أصبحت له حاضنة شعبية واسعة في سوريا وفي أوساط الثوار والمجاهدين، ولذلك كان دفع النظام التركي عبر أدواته باتجاه منع نجاح المشروع والتضييق على حمَلة دعوته.
واليوم نرى سعي أمريكا صاحبة القرار لمحاولة تكرار ما يسمى النموذج التركي في سوريا، مع وهج إعلامي وتضليل كبير، وبترتيب أعظم مع الدول العربية وخصوصا الخليجية ومصر، وبدقة متناهية، مع سيل كبير من التبريرات كما هو الحال في تركيا، للسير بأهل الشام في طريق بعيد عن مصدر عزتهم وكرامتهم التي ينشدون والتي بذلوا لها شلال دماء لاستعادة حكم الله في الأرض ونيل رضوانه وتغيير مجرى التاريخ.
إن النموذج التركي التنموي الذي يتم تصديره منذ عقدين إلى الأمة الإسلامية ليكون خادما للمصالح الدولية والنظام العالمي هو ما تجري الآن محاولة استنساخه في سوريا، عبر نظام مدني ديمقراطي وشكل من أشكال العلمانية الناعمة، وعبر من تريد أمريكا تثبيتهم في الحكم ممن ترضى عنهم، من أصحاب الأدوار المشبوهة، وممن يمتلكون القدرة على التقلب في المواقف وتغيير الولاءات والمخالفات الشرعية، والتسبب في ارتكاب الكثير من الجرائم بحق الثوار والمجاهدين، والدور الذي يمكن لعبه بعد تهاوي النظام الأسدي وهروب رأسه. لذلك يجري الضغط على إدارة المرحلة بما يحقق أهداف أمريكا في منع تحكيم الإسلام وقيام دولة الخلافة في سوريا، مع ما يرافق ذلك من مهاترات إعلامية ودبلوماسية بين النظام التركي والدول العربية التي تظهر بمظهر الصقور مرحليا لتحقيق أكبر قدر من التنازلات مقابل الاعتراف بالإدارة الحالية، وتقديم الدعم والقبول في مراحل لاحقة بإعادة سوريا إلى الجامعة العربية ولاحقا الأمم المتحدة.
إن كيد الدول الإقليمية والنظام الدولي لتأخير عودة الإسلام للحكم مرة أخرى سيرتد إلى نحورهم بإذن الله، لأننا نعلم يقينا أن النظام الرأسمالي يحمل بذور فنائه في الأساس الذي يقوم عليه. ولن تكون النتيجة الحتمية إلا السقوط المدوي. فالمسلمون اليوم ليسوا هم الذين كانوا قبل مائة عام، فالوعي هو عنوان هذه المرحلة، وهو الذي كلّف الغرب حرق أوراقه التي أعدها لعقود طويلة في سنوات قليلة. وكما فضح ثبات أهل الشام محور الدجل والمقاومة فإنه سيسقط ما دونه. فالهدم الذي تقوم به الثورات بعد هدم التيارات وصل لمراحل متقدمة، بعد تنامي وعي الأمة السياسي بشكل كبير، فلا يصمد أمامه متآمر هنا ومخادع هناك. فالتنمية التي لا تبنى على مبادئ صحيحة وأصل ثابت وأساس راسخ تقتلعها رياح التغيير بسهولة. ومظاهر التنمية التي يعتمدها من يسعون لاستنساخ النموذج التركي والتي تملأ صورها وبهرجتها كل مكان تكذبها الحقائق على الأرض، وسرعان ما ستنهار على رأس من بناها.
وفي غمرة التحليل السياسي وتشابك المتدخلين في الشأن السوري لن ننسى دور كيان يهود. ففي الوقت الذي ثارت الأمة لتغيير أوضاعها وللنهوض من جديد من تحت ركام الأنظمة العلمانية الجبرية التي حكمت بالحديد والنار طوال قرن أسود، تقود دول الخليج وعلى رأسها السعودية والإمارات مشروع التطبيع مع الكيان، وتسعى بكل طاقتها للترويج له ودمجه بالمنطقة، رغم أن الفشل هو مصيره بسبب العقلية اليهودية قبل رفض المسلمين الذين يرون أن قضية الأرض المباركة فلسطين قضية عقدية ثبّتها القرآن الكريم في وجدان الأمة لا يمكن تجاوزها. لكن هذه الدول -ومعها مصر والأردن- تسير في طريق التطبيع وتطمع بعد سقوط الأسد بضم سوريا لهذا المعسكر الانبطاحي. والأمة بمجموعها ترفض وجود الكيان وتعده غدة سرطانية استعمارية تجب إزالتها، ويقابلها حكام العرب العملاء بالتطبيع، فيقع الكثير من المسلمين في براثن الدور الإيراني المشبوه الذي فضحته الثورة المباركة في الشام وأسقطته من وجدان الأمة، وكذلك عراه طوفان الأقصى مما كان يتستر به من شعارات كاذبة.
إن الدور الذي تقوم به الأنظمة العربية والنظام التركي لاستمرار علمانية الدولة في سوريا هو عنوان المرحلة القادمة في سوريا، تحت نظر أمريكا ومراقبة كيان يهود، في محاولة للقضاء على ثوابت ثورة الشام واحتوائها وتوجيهها نحو التصالح مع محيطها العربي من أجل الاستقرار، بذريعة إعادة بناء الدولة التي يريدونها جميعا أن تكون تابعة ومتناغمة مع مواقف الدول الإقليمية لرعاية وحماية الكيان واستقراره واستقرار النظام الدولي الظالم، في الوقت الذي يغلي مرجل الأمة الإسلامية لإنجاز عملية التغيير الحقيقي، التغيير الذي يطيح بحدود سايكس بيكو ويعيد جمع الأمة على ما يحبه الله ورسوله ﷺ والمؤمنون، وهذا أحد الأهداف غير المباشرة لما يتم تسويقه في سوريا، لما له من تأثير نفسي كبير على الأمة التي فرحت من أقصاها إلى أقصاها بانتصار الثورة وإسقاط الطاغية، وتطمح بأن يكون أهل الشام ممن يصلحون ما أفسده الحكام العملاء، وتكون الشام منطلقا لتحرير الأمة الإسلامية من كابوس الأنظمة العلمانية والوطنية الجاهلية واستعادتها لدورها الحضاري، بما تمتلكه من مخزون وإرث كبير وتاريخ عريض في صد الحملات التي حاولت استئصال الإسلام، فكانت الدرع الحامي للأمة، فتقوم في كل مرة من تحت الركام وتقدم التضحيات وتعيد ضبط عقارب الساعة وتصلح مجرى التاريخ. ومن أصدق ما قيل في ذلك أن سوريا كانت دائما مفترق الحضارات وهي تقف الآن على مفترق التاريخ، فإما أن تنهض وتعيد الشريعة نبراسا لها فتنهض معها الأمة وتنخرط في معركة الوعي لتزيح عن كاهلها عقود الطغيان والحكم الجبري، وإما تكون محاولة فاشلة تضاف للمحاولات الفاشلة السابقة.
لكن الثابت هو أن الشام هي عقر دار الإسلام، وأن على أهل الشام وخصوصا المجاهدين الثبات على أمر الله ورفض الانصياع للرغبات والأهواء، ومتابعة البذل بوعي وإدراك لمآلات الأمور، حتى إعادة الشام عقر دار المؤمنين وإعادة غوطتها مربط خيول المجاهدين الذين تنتظرهم فلسطين وساحات المسجد الأقصى الذي لن يحرره ويستعيده إلا الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ولمثل ذلك فليعمل العاملون.
2025-04-02